كتاب أكاديميا

د. صالح الإبراهيم يكتب الفساد في جامعة الكويت

نظمت الهيئة العامة لمكافحة الفساد “نزاهة” ندوة في جامعة الكويت حول النزاهة في القطاع التعليمي والصحي وأكدت فيه على ضرورة تعزيز النزاهة من خلال تعزيز موقع الكفاءات في المناصب القيادية ودعم الشفافية والمساءلة والإفصاح عن المعلومات. وتعتبر هذه الندوة بذرة أولى نحو مجالات أوسع مما ابتدأت به الهيئة سابقا من الجرائم المتعلقة بالمال العام، ولكنها تحتاج إلى تشريعات وأدوات مختلفة لرصد هذا النوع من الفساد. وقد قامت الهيئة بخطى فعالة للتدخل في كثير من البلاغات التي تحوم حولها شبهات جرائم الفساد وتحويل المتورطين فيها الى النيابة العامة لمباشرة تحقيقاتها. فعلى سبيل المثال، تدخلت الهيئة في عام 2018 للتحقيق في جريمة فساد في جامعة الكويت وأحالت عميد احدى الكليات ورئيس قسم بذات الكلية الى النيابة العامة على إثر شبهة فساد مالي.
ولغاية اليوم، تركز أغلب أعمال الهيئة على تلقي البلاغات من الأفراد حول جرائم الفساد المالي وحماية المال العام، ولكن الفساد بأشكاله الأخرى والتي قد تكون أكثر ضرراً وذات تبعات تراكمية ومرهقة على خزينة الدولة المالية لا ينظر لها بنفس الدرجة من فداحة الجرم (أو غير واردة في اختصاصات الهيئة بحسب المادة 22 من قانون انشائها رقم 2 لسنة 2016). فتجاوز القانون أو تعطيله أو تبعيضه قد يؤدي إلى عدم تكافؤ الفرص وإيقاع الظلم وارتكاب المخالفات القانونية وترسيخ مبدأ الشللية واصطفاف المتورطين مع الفاسد للإفلات من المحاسبة والعقوبة، كلها نماذج لجرائم تكلف الدولة مبالغ مالية تصرف لتعويضات وتسوية المتضررين وإرهاق للنظام القضائي.
إن نظام التعيينات في المناصب القيادية والإدارية والإشرافية في الجامعة كمنصب المدير ونوابه ومساعديهم والعمداء ومساعديهم ورؤساء الأقسام العلمية يخضع لعوامل متعددة قد لا تخلو بعضها من معايير فاسدة، كالمحسوبية والفئوية بأنواعها وبمستويات مختلفة، ولا ينكر ذلك إلا من ران على قلبه أو متغافل. وإن هذه المناصب توازيها مكافآت مالية باهظة ترهق ميزانية الدولة. فالتفرغ القيادي والإداري الذي قد يمتد لعامين وبراتب مضاعف قد يصل إلى عشرات الآلاف من الدنانير قد تصرف لمنتفعين قد تم تعيين بعضهم وفقاً لمعايير غير نزيهة وتفتقد للموضوعية والكفاءة. إضافة الى ذلك، قد يبقى بعض القياديين في المنصب لفترات زمنية طويلة تتراوح بين شغل المنصب والتفرغ الإداري لمدة عامين براتب مضاعف لينتقل بعدها لمنصب اداري آخر، وقد يستمر لأربع دورات. فإلى جانب بدل التمثيل المالي لشغل المنصب والإعفاء من الأداء التدريسي الشاق، فإنه يستلم الراتب المضاعف بعد انتهاء مدة شغل المنصب، وهذا بحد ذاته هدراً كبيراً للمال العام. ومنهم من تبوأ أعلى منصب في الإدارة الجامعية وفقاً لهذا التسلسل حتى نهاية الخدمة.
فلنفترض جدلاً نموذجاً للفساد الإداري المحتمل والوارد وقوعه في الجامعة. أن يقوم مدير جامعة الكويت بتجديد تعيين أحد رؤساء الأقسام العلمية في كلية ما، دون تطبيق القواعد المنظمة لاختياره كما هو منصوص عليه في قانون الجامعات الحكومية رقم (76) لسنة 2019، كالإعلان عن شغور المنصب وفتح باب الترشح لمن تنطبق عليهم الشروط، متجاوزاً مبدأ تكافؤ الفرص ومعطلاً لمبدأ العدالة في تبوء المناصب. أو عين من تحوم حوله شبهة مخالفات قانونية تستوجب تحويله للنيابة العامة، وصرف بدل التمثيل المالي له، وصرف الراتب المضاعف بعد انتهاء مدة شغله للمنصب. ناهيك عن احتمالية استغلال المنصب للتنفيع وتبادل المصالح. ألا يعتبر هذا الانتهاك للقانون شكلاً من الفساد الأكثر ضرراً على المؤسسة التعليمية من جرائم الاختلاس المالي المباشر؟
إذا حدث هذا السيناريو يوماً ما، هل ستستدعي هيئة مكافحة الفساد مدير الجامعة وطاقم مكتبه الفني، أو عميد الكلية، أو رئيس القسم، أو جميعهم ومن اشترك معهم في قرارات التعيين الباطلة والمعيبة؟ هل نبشر ونستبشر بأن تستقبل الهيئة هذا النوع من بلاغات الفساد يوماً ما؟ حينها، كلي ثقة بأن الكثير من المناصب سوف تكون شاغرة، إما بسبب تجريد البعض منها، أو بسبب خوف البعض من الملاحقة القضائية والعقاب، ولا يبتغيها إلا من طهرت سريرته وعلانيته لخدمة وطنه.
مناشدة لهيئة مكافأة الفساد ومن يرأسها: لا يمكن اصلاح البيت الجامعي واسترداد تصنيفه العالمي إن لم تتم محاسبة ومعاقبة جرائم الفساد الإداري، فهي المدخل للفساد المالي، وقد يكون أحد منابع تأصيل الفساد وتوريثه في هذا الصرح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock