قسم السلايدشوكتاب أكاديميا

القوة الناهضة بالأمم| بقلم أ.د. لطيفة حسين الكندري

أكاديميا|يقول المؤرخ الغربي الشهير وليم ديورانت الذي كتب مع زوجته تاريخ العالم “قبل ستين سنة كنت أعرف كل شيء أما الآن فأنا لا أعرف شيئا، التربية عملية تحررية مستمرة ضد الجهل الذي يلازمنا”. وفي هذه العبارة الموغلة في الفلسفة دقة في وصف طبيعة التربية فهي عملية مستمرة من المهد إلى اللحد. وبهذه الكلمات انتهى كتابهما الرائع: “قصة الحضارة”: “لقد انقضت الآن أربعون عاماً من المشاركة السعيدة في ملاحقة التاريخ. وكنا نحلم باليوم الذي نكتب فيه آخر كلمة في آخر مجلد. والآن وقد أقبل هذا اليوم فإننا سنفتقد الهدف الممتع الذي أضفى على حياتنا معنى واتجاهاً … والآن نستأذنه في الرحيل ونقرئه تحية الوداع”. وفي الأدب الروماني نجد أنه “على المرء أن يواصل طلب العلم ما دام فيه عِرق ينبض”. من يتفحص هذه الكلمات يواصل التعلم بلا حد ليستكمل الفضائل الانسانية.العاقل يجد رغبة عارمة في نفسه للتحديث، ويعشق الاستكشاف، وتستهويه رياح التجديد كلما استكشف بلدا جديدا، واكتسب علما مفيدا، واستفاد عملا مجديا. إن الحريص على طلب تنمية ذاته يعتبر فرصة التعلم أعظم متعة لا سيما إن كان التعلم يقربه إلى الله سبحانه، ويزيده احسانا للناس، ويكسبه مجدا وسعادة. معظم اللذات مصيرها الزوال أو الضعف بل ربما زال رونقها مع الزمن إلا حب العلم يزداد نوره كلما ارتقينا في معارجه، والتمسنا المزيد من فيض أنواره. وفي هذه المنظومة الزكية الزاهية تصبح حواراتنا وأسفارنا وأبحاثنا ومقالاتنا ذات لذة حقيقية ومتعة تتقاصر الكلمات عن مدحها أو وصفها. ثمار العلوم، وروائع الفنون، ورقائق الآداب جواهر ممتعة لآذاننا وأذهاننا وأبصارنا وجميع جوارحنا. وعندما كتبت أطروحة الدكتوراه بنيت الفكرة المحورية على دعامة: ضرورة ممارسة آداب المتعلم والمعلم في اطار الأسرة بحيث يتعلم الجميع كي تتوطد العلاقات، وتتسع الآفاق، وتتدفق مشاعر المودة والحب، وتتألق الأوساط التربوية.بما أن الجهل عكس العلم فإن إلباس الجهل ثوب العلم يضلل الإنسان، وبه يتزايد ويتسع سوق الجهل المركب، ولعل الجهل بالجهل أعظم مصيبة لأن أغلب القبائح منشؤها الجهل. ولهذا قال جعفر الصادق “لا مال أعون من العقل، ولا مصيبة أعظم من الجهل”. ومن المعلوم أن الإنسان محدود العلم، وولعه في أن يكون بحاثا قد يجعله نبيلا سليم الفطرة، قوي العزيمة، صادق التوجه. ومن المخيف أن ندرك أن العلم نفسه إذا لم يتم تجديده يتآكل فيتراجع، فالعلم المستقر – كما قيل- هو الجهل المستمر، ومن شاء “أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ” وإلا فلا مجال للثبات ولا مسوغ للوسط أو حل ثالث في هذا السياق.ولأن غرور الإنسان قد يحجبه عن التعلم الدائم شرح اخوان الصفا وخلان الوفا سيكولوجية الجهل فقالوا إن الفرد “عدو لما يجهل، منكر لما لا يفهم” وفسر صاحب شرح نهج البلاغة؛ ابن أبي الحديد “أن الإنسان عدو ما يجهله لأنه يخاف من تقريعه بالنقص وبعدم العلم بذلك الشيء، خصوصاً إذا ضمه ناد أو جمع من الناس فإنه تتصاغر نفسه عنده إذا خاضوا فيما لا يعرفه وينقص في أعين الحاضرين، وكل شيء آذاك ونال منك فهو عدوك”. ولقد رد في إحدى البرديات المصرية القديمة: ” أفرغ قلبك للعلم وأحبه كما تحب أمك، فلا شيء في العالم يعدل العلم في قيمته “.لو أيقن الإنسان أن العلم النافع رافع للدرجات، ومصباح السعادة ومصدرها وأنه تدريجيا ينفي عن العقول ظلمتها لأقبل بقلبه وعقله على التعلم بكل تواضع فالعلم قوة متدفقة نابضة بالأمل، ناهضة بالأمم. وأخيرا فتتعدد أنواع التلقي التعلم داخل محيط الأسرة والمسجد والمدرسة وفي جهات العمل وبين الأصدقاء وفي الحل والترحال لتصبح حياتنا أكثر ضياء واتساعا وسعادةً.بقلم/ أ. د. لطيفة حسين الكندري [email protected]@dralkandery


займ на карту быстро

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »

Thumbnails managed by ThumbPress

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock