كتاب أكاديميا

يوسف عوض العازمي يكتب: ندوات  .. “الحضور المزور”

”  الهدف النهائي للحياة هو الفعل و ليس العلم ، فالعلم بلا عمل لا يساوي شيئاً .نحن نتعلم لكي نعمل ”

(  توماس هكسلي  )

تخيل لو كنت مسئول و طلبت تعيين أحد الموظفين في مكان شاغر ، ثم طلبت ملفات الموظفين الذين تم ترشيحهم لهذا الشاغر ، ثم وجدت نموذجين من ملفات الموظفين ، نموذج لموظف يضم ملفه عدد 20 شهادة  ” حضور  ”  دورات ، و موظف آخر يضم ملفه عدد 3 شهادات  ” إجتياز  ” دورات ( و كلها دورات في مجال عمل الجهة نفسها ) ، وقتها من ستختار ؟

أعتقد أن المسئول الباحث عن الكيف و الكفاءة قطعا” سيختار من  ” أجتاز  ” ثلاث دورات ، و ليس من  ” حضر  ” عشرون دورة ، لأن من أجتاز واضح إنه متأهل للعمل ، أما من حضر فلا دليل على فهمه و إستيعابه للدورات ، بنفس الوقت قد يكون هناك شك بالحضور الكامل للدورة !

أتذكر في إحد المعاهد دعا أحد الأساتذة طلبته أن يحضروا ندوة يشارك هو فيها ، فسأله الطلبه السؤال المعروف : هل هناك بونص ( مكافأة درجة أو اكثر ) للطالب لما يحضر الندوة ؟

رد الإستاذ بحسم و تشديد : لا .. لايوجد بونص على الحضور ، لأن وجود مكافأة حضور تدل على أن الحضور للندوة   ”  مزور  ”  و ليس حقيقيا” ، بالطبع كانت  النتيجة المتوقعة إنه  ” لم يذهب أحد من طلبته ” ممكن أثنين فقط هما من حضرا الندوة ، و كان لسان حالهما  ” لعل و عسى ” و ياخيبة التعب من ناحية البونص !

بين مبدأ هذا الإستاذ هناك مبدأ آخر ، هناك أستاذ يطلب حضور ندوات معينة داخل المعهد ( مجرد حضور ) و يأخذ الطالب على كل ندوة درجة أو أكثر ، طبعا” واضح أن هذا الإستاذ يبحث عن طريقة لتحفيز الطلبة لتعويدهم على جو الندوات و الإستفادة ، أو أنه يبحث عن عذر لرفع درجات بعض الطلبة الذين يحتاجون بالفعل لهذه الدرجات بسبب مستوى غير جيد ..

هناك أيضا” أساتذة يطلبون تقرير عن كل ندوة ، البعض يطلب التقرير بخط اليد ، و البعض الآخر يطلبه مطبوعا” ، و أحيانا” يتم تحديد عدد صفحات التقرير بصفحتين أو أقل أو اكثر قليلا” ، و تستخدم درجات هذه التقارير كدرجات إضافية في  ” بنك الطالب  ” كما أسماه أحد أساتذة المعهد ..

و التفاصيل و المواقف في هذه الأمور لايسعها مقال واحد ( سأتطرق مستقبلا” لبعض المواقف المتوقعة في مثل هذه الأمور ) لكن أصل إلى أن أي ندوة تقام سواء أكاديمية أم غير أكاديمية لابد من فائدة من حضورها للشخص الأكاديمي ( أستاذا” أم طالب ) لزيادة حصيلته من المعرفة و المعلومات ، أو على الاقل وجودة في متجمع فكري علمي يستفيد منه لو معلومة واحدة ، يكفيه أنه في مجلس علم و معرفة ..

إقامة الندوات و المحاضرات العامة هامة للمجتمع الحي ، ففيها علم و معرفة و إكتساب خبرات و تعلم من مختصبن ، و أجواء علمية رصينة تساعد على الإبداع و التزود بالعلم ، و غالبا” تجد الحاضر الدائم للمحاضرات و الندوات ذو فكر منفتح و تفكير متحرك ، لذلك أجد ان تشجيع الندوات و المحاضرات العلمية و الفكرية داخل الجامعات و المعاهد امر صحي يسهم في تطوير الفكر المجتمعي ، في بيئة سيطرت عليها المفاهيم الإستهلاكية و الافكار السياسية و الآجتماعية و الثقافية المنحرفة ، و سطوة التافهين و الفاشينيستا على وسائل التواصل الإجتماعي !

أما بالنسبة للدورات خارج المنشآت العلمية ، أو حتى داخلها ، يستحسن عدم طباعة شهادات حضور رسمية لأنها قد تستخدم و توضع ( بحسن نية ) في ملفات موظفين ليس لهم منها إلا الحضور و لا يوجد أية أدلة على إستفادتهم ، لذا علينا تشجيع الدورات العلمية المهمة ذات المحتوى المطور الرصين التي تصدر شهادة  ”  إجتياز  ” حقيقي و معتمد ، و ليس حضورا” لشخص قد يكون حضوره مجرد  ” تعبئة كرسي ” !

أي  ” حضور مزور ”  !

يوسف عوض العازمي

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock