كتاب أكاديميا

يوسف عوض العازمي يكتب: أحاديث التاريخ الأدبية

” وقائع التاريخ الكبرى عائمات جليد ، طرفها ظاهر فوق الماء ، و كتلتها الرئيسية تحت سطحه ، و من يريد استكشافها عليه أن يغوص ”

(   محمد حسنين هيكل  )

قبل مدة ليست طويلة قدم أحد الطلبة بحثا” هو عبارة عن مطلوبية مادة لها علاقة بالتخرج من أحد المعاهد بتخصص له علاقة بالتاريخ ، و قام الطالب بتقديم بحث هو يعتقد بأنه تاريخي بكتابة ادبية ، و المسئول عن المادة يجزم بأنه مقال أدبي و شتان بين الأدب و التاريخ ، و بالطبع كانت الدرجة التي حصل عليها الطالب هي نجاح بالرأفة ، أي أنه تم رفع درجته رأفة به و تعتبر نتيجته الحقيقية رسوب !

بعيدا” عن هذه التلميحة المدخلية لهذا المقال البسيط ، أعتقد أن الأدب داخل في كل أصناف الكتابة ، و عندما نأخذ التاريخ كمثال ، ما أجمل كتابته بحس أدبي ، و صياغة تلمس بها جماليات الأدب و تموضع كلماته بين المعلومة و المعلومة ،  و سبر حيثيات التاريخ بتكاملاته المتكاملة كحدث متكامل تكملة النقلية المكتوبة ، و تزينة مفردات الأدب و ألفاظه الفارهة ..

أعتقد أن التاريخ يحتاج لكتابة فيها من الأدب ، حتى تتسهل قراءته ، و تعطيه النكهة الأدبية دافعا” لقراءة أريح للعقل ، خصوصا” إن كان أسلوب الصياغة فيه توضيح موضح لواضح الحقيقة التاريخية ،   و يعلو شأن التحليل التاريخي بحسب الصياغة و العبارات الجازمة اللازمة لتوضيح مافات ، و أظهار ماخفي ..

وصلني مرة تعبير بليغ يتداخل فيه التاريخ بالأدب ، و يقرب الفكرة للقارئ و المهتم بطريقة جميلة ، إذ كتبت المؤرخة العمانية د. أحلام الجهورية : ” السيدة سالمة ببساطة ممتنعة أرخت شعور الفقد بوفاة والدتها ، و شعور الحزن بفقدان والدها ، و شعور الخذلان تجاه أخيها ماجد ، و شعور التقديس لأختها خولة ، و شعور الظلم من أخيها برغش ، و شعور الغربة في ألمانيا ، و شعور الحنين إلى الوطن ( زنجبار ) و غيرها الكثير ”

تعبير المؤرخة الجهورية جمعت فيه بين الحدث و التأريخ و الحس الأدبي ، و الحاسبة اللفظية للمفردات ، حيث لخصت كل قصة لوحدها بعبارة واحدة مختصرة جدا” لكنها تؤدي الغرض المعلوماتي المطلوب ، و هنا يظهر ما أرمي إليه و هو أن إدخال الصيغة الأدبية لن يضيع المعنى ، لكنه يسهل الفهم ، و يوصل المعنى بسلاسة ..

في مناسبات عديدة يشتكي المؤرخون الأكاديميون عن قلقهم حيال كتابة التاريخ :  ” كما اتضح في كتاب “كيف تكتب تاريخا يرغب الناس في قراءته” (2011) لآن كورتيز وآن ماكغراث. مرة أخرى، يردد هذا الكتاب صدى مخاوف سكوت حول المؤرخين الذين ينتجون روايات خالية من “تفاصيل مثيرة للاهتمام” و”مرصعة بصدأ العصور القديمة”. بطبيعة الحال، الصورة النمطية للمؤرخ الأكاديمي غير القابل للقراءة غير صحيحة؛ فقد حاز مؤرخون كثر على جوائز كبرى في الأدب. في حين قام آخرون بتأليف أعمال ذات تأثير شعبي واسع، بينما ساهم آخرون في النقاش العام من خلال التلفزيون والإذاعة والوسائل الرقمية ” *

في فترة توهج التلفزيون المصري أنتج مسلسل  ” ليالي الحلمية ” لمؤلفة السيناريست الشهير  ”  أسامه أنور عكاشة “، و الحقيقة أن هذا المسلسل رغم خياليته الشكلية بإعتبارة بالأساس نص روائي ، إلا أنه متخم بالتاريخ و حوادثه و كأنه يؤرخ و بإن بشكل ضمني لمرحلة من المراحل المعاصرة للتاريخ الإجتماعي المحلي في مصر ، حيث أرخ بشكل ضمني العديد من العلاقات الآجتماعية مستخدما”  ” الحارة ” المصرية كميدانا” زاخرا” لهذه الأحداث المؤرخة روائيا” ، و هنا يبدو تزاوج التاريخ بالأدب ، و عمل خلطة تتيح قراءة التاريخ بصيغة أدبية ، لاتشيد بهذا ، و لا تسيء لذاك ، معتمدة على ذكاء القارئ ، كذلك السيناريست الكويتي عبدالأمير التركي كتب بإحترافية مسلسل  ”  درب الزلق  ” الشهير الذي يوثق  ” الفريج  ”  الكويتي في فترات ما قبل النفط ..

و هنا يبدو واضحا” أن الخلطة السحرية بين التاريخ و الأدب لايجيدها إلا القلائل من المبدعين ، لأن إستيعاب القارئ للحدث التاريخي إن أتى بصياغة متأدبة مؤدبة بالأدب سيكون إستساغة الحدث أوفى ، صحيح هناك من يجزم بعدم فائدة الصياغة الأدبية للتاريخ خشية تحوله إلى أشبه بالكتابة الروائية ، و إحتمال تواجد شبهة إدخال الخيال ، لتجسيد مشهد تاريخي معين ، أو شرح حيثيات و وقائع تاريخية ، لكني و على طريقة لا ضرر و لا ضرار و لا إفراط و لا تفريط أؤيد التقيد بثوابت متقيدة ، و قواعد قاطعة للمؤرخ عندما ينقب عن أسرار التاريخ و حوادثه المثيرة للإهتمام ، بأعتماده أسس و قواعد متينة تبنى من الثقة و إحكام القول ، و التعامل بجدية مع الأدوات المصدرية ، و المراجع ذات الصلة بالحدث ، حتى يصل المؤرخ في بحثه إلى نتيجة معقولة و مناسبة لإدراك الثقة المطلوبة ..

يوسف عوض العازمي

[email protected]

__________________

* ترجمة (سارة المصري)

هذا التقرير مترجم عن: The Conversation ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان ( قناة الجزيرة في دولة قطر )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock