كتاب أكاديميا

ود سالم يكتب: أبو إيفانكا!!

ناقشني غير واحد من الأصدقاء القراء حول النكبة الأخيرة التي تعرضت لها القدس، ولم تزل، من عدوان صارخ أثيم من الكيان الصهيوني البغيض، وجرى الحديث حول النكبة الكبرى التي حدثت أمس الإثنين الموافق 14مايو من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.. فقلت والأمر لا يخفى عليهم أن هذا يعني اعتراف القوة الكبرى صراحة بيهودية القدس، وبصهوينية الدولة العبرية، وبأن فلسطين خالية من القدس إلا أن تقبل التعايش بسلام غير مشروط من قبل إسرائيل… الأمر بمعطياته وتداعياته لا يخفى على أحد من الناس. لكن بقليل من استرجاع الذاكرة التاريخية وكثير من التدبر والتأمل في شأن اليهود أنفسهم نجد أنهم قوم مفطورون على أمرين اثنين بارزين، هما:

أولًا، العمل على اغتصاب حق الغير متى استطاعوا، ولك أن تطالع سيرتهم عبر التاريخ تجد الكثير مما لا يخفى على قارئ للعهد القديم أو المزامير أو كتب الأنبياء..

ثانيًا، التفاوض في شأن ليس ذي بال، أو ليس مهمًا من أساسه،  والحيدة (بكسر الحاء وفتح الياء والدال) عن جادة الصواب إلى أمر يشغل به مفاوضه أو مناظره متى استطاعوا إليه سبيلًا. والعجيب أنهم ينجحون في ذلك نجاحًا مبهرًا. انظر إليهم كما حكى القرآن في تفاوضهم مع سيدنا موسى عليه السلام في أمر معرفة القاتل، ما كان من الله إلا أن أمرهم بذبح بقرة وأن يضربوا ببعضها القتيل، ليعرفوا من القاتل؛ لكنهم شغلوا كليم الله تعالى وشغلوا الغير في أمر البقرة وصفًا وتفصيلًا. قال تعالى يقص ذلك الشأن: “وإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُواادْعُلَنَارَبَّكَيُبَيِّنلَّنَامَاهِيَ  قَالَإِنَّهُيَقُولُإِنَّهَابَقَرَةٌلَّافَارِضٌوَلَابِكْرٌعَوَانٌبَيْنَذَٰلِكَفَافْعَلُوامَاتُؤْمَرُونَ (68قَالُواادْعُلَنَارَبَّكَيُبَيِّنلَّنَامَالَوْنُهَاقَالَإِنَّهُيَقُولُإِنَّهَابَقَرَةٌصَفْرَاءُفَاقِعٌلَّوْنُهَاتَسُرُّالنَّاظِرِينَ. (69)البقرة.

وزدتُ في القول: إن المتدبر الآيات الكريمة ليدرك في يسر كيف أنهم حادوا عن الركن الأكبر في القضية، ألا وهو مجرد ذبح بقرة ما، ثم ضرب القتيل بشيء منها؛ لتبين لهم القاتل.. لكنهم أبوا إلى أن يحيدوا عن ذلك الركن إلى تفاصيل جانبية ومماطلة في الوصول إلى الهدف لأمر هم بالغوه، من مثل لونها وصفاتها مما قصه التنزيل الحكيم. إذًا هم فاوضوا في أمر بقرة فكيف بأمر دولة؟!

وأرجو ألا تغفلوا- أصدقائي- أهمية تصدير اتهامهم للمتفاوض بأنه يسخر منهم ويعاديهم.. وبإسقاط مباشر نجد أن ذلك قريب من هذا الذي يحدث الآن، فكل من يجهر بتفنيد رأي لهم يتهم بمعاداة السامية ويضمونه إلى قوائم الأعداء. وتظل الأمة العربية تصرخ وتشجب وتستصرخ العالم لإقناع إسرائيل بحق الفلسطينين في إقامة دولتهم. وفي كلٍ نجد إسرائيل تعمل على حيدة القضية إلى اهتمام فرعي ينصب على تعذر المفاوضات مع فصيل دون آخر، وجانب دون غيره… وصولًا إلى جعلك تنسى الركن الأكبر في القضية، ألا وهو تهويد القدس والاستيلاء عليها وإعلان دولة إسرائيل الكبرى على مسمع ومرأى من العالم كله، بل بمباركة الدولة الأقوى في العالم، وجهد الرجل الذي حقق لهم التاريخ ترامب الشهير بـــ ( أبو إيفانكا.. )

يا أصدقائي، إن أبا إيفانكا لم يترك جهدًا  في وعدٍ وعد إياه اليهود إلا وعمل جادًا في إنفاذه في الوقت المحدد، وقدوعد، وما قصَّر!! أوعلى رأي بلدياتي (والله الراجل يِشكَر عمل اللي عليه). لكنَّ المهم هو وماذا بعدُ؟ قالوا ذلك هو السؤال. فقلت، إن المسألة لا علاقة لها من وجهة نظري بالعرب، فالعرب لا يملكون إلا لسانهم الذي تقاضمت أطرافه، وتآكلت حواشيه، ورحم الله ابن منظور الذي استشرف من الغيب علمًا أن جعل مؤلَّفه الأكبر هو (لسان العرب) وكأني به أراد أن يقول منذ مئات السنين أن العرب ليسوا إلا لسانًا يمكنكم أن تفيدوا منه مفردات للشجب والإنكار ولاستصراخ.. لكن الأمر يجري إلى ما هو أكبر مما نتخيل!! تُرى أيكون هو ذلك الوعد الأخير بعلوهم في الأرض، ومن بعده ما تعلمون من حوادث آخر الزمان…

لم أكمل جملتي الأخيرة حتى تفرق الصحاب متمتمين بكلمات سمعتها من أطراف لسانهم، لم تسمع أذني منها إلا (أبو إيفانكا وأبو…) 

ود سالم

15 مايو2018م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock