كتاب أكاديميا

نوره الفرحان تكتب :عودة إلى الغفلة

عودة إلى الغفلة

______________

في الأزمنة الغابرة، كنت لتحظى بحديث فائق الدهشة مع أي رجل شارع تقابله، إذ في وقتها، كانت لديهم أفكارهم الأصلية الخاصة وآيديولوجيات سياسية واجتماعية. ينمقون وينتقون كلماتهم ويصفّونها على نحوٍ جميل غير اعتباطي، يلقمون آراءهم بحجج تكاد لا تدحض، ناهيك عما يدسونه بين كلماتهم من أشعار واقتباسات من الأدب والشعر والعقول العظيمة. ولكن اليوم، لِمَ نُزعج أنفسنا بحفظ بضعة أشطر من أبيات المتنبي أو الجاحظ؟ جميعها متاحة في الكتب بل ونستطيع الحصول عليها عبر محرك البحث في ظرف ثوانٍ. سخافة هذه الفكرة تكمن في في كوننا نستبدل ذاكرتنا البيولوجية بأخرى إلكترونية، تماماً كما يعالج الأطباء مرضى فقدان الذاكرة في الغرب حيث يقوم الطبيب بتحميل ذكريات وأفكار المريض في ذاكرة إلكترونية. إن الغرض من وجود التكنولوجيا هو تسهيل حياتنا ولكن في الواقع هي تسلبنا حياتنا. نحن بالكاد أحياء! رؤوسنا دائماً منكسة باتجاه ما ندعوه بال”هواتف الذكية”. أكاد أجزم أنك لا تذكر آخر مرة خضت فيها في حديث طال لأكثر من خمسة دقائق دون أن تختلس النظر إلى هاتفك. نحن بالكاد نفكر في الأمور الجادة. نحن بالكاد نفكر على الإطلاق! لقد شلتنا التكنولوجيا إلى الحد الذي سيجعلنا نستنكر رؤية أحدهم “يمشي” أو “يتكلم” في المستقبل القريب على حد اعتقادي إذ ستكون هنالك بدائل “تسهل حياتنا”. ولا أظن اعتقادي ضرباً من المبالغة كوننا نعيش في عالم حيث السيارات تقود نفسها وحيث يمكنك إطفاء أنوار غرفة نومك وأنت في عملك. آن الأوان لنواجه الحقيقة المرة، التكنولوجيا كما هي مطبقة هي أي شيء عدا التطور. بل على النقيض تماماً، هي تخلف.

 

 

 

نوره الفرحان

26/10/2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock