كتاب أكاديميا

محمد عبدالله الأحمدي يكتب: الخرافات المتعلقة بالدكتوراه

تعتبر مرحلة الدكتوراه مرحلة تعليمية من الدراسات العليا كغيرها من مراحل تعلم الإنسان التي تبدأ معه منذ الصغر. لقد تشكل عبر لزمن مفاهيم، وقصص وحقائق وخيالات تتبارى فيما بينها لتنتسب لتلك الأم الرؤوم، والكيان الهادئ، والبال الواسع. نعم! إنَّ العلم يضفي على صاحبه قيمة خاصة، وصبغة مميزة، وحلّة وثيرة، تُنير بصيرة حامله شريطة أنْ يصقل العلم فكره، وينضج رأيه، ويجوّد مهارته. فالناقل للمعرفة غير المنتج لها، والصانع غير المتلقي. فالباحث يجتهد في هذه المرحلة ليرقى بمهاراته نحو الأفضل، ويسعى لأن يحقق الأميز نظرً لمتطلباتها المتعددة، ومهاراتها المختلفة التي تحاول السمو بالفكر النقدي، والتحليل المنطقي، والتأمل المتأني، والقراءة الواعية، والكتابة الهادفة دون تجريح، فالرأي بالرأي ينضج، والحجة بالحجة تقوى، والمقال بالمقال يُسند. فالدكتوراه تتيح لحاملها التخصص الدقيق، والفحص المركّز، والتقدير الموجه لاهتمام محدد. وكلُّ هذا يتطلب عمل مستمر، وجهد مبذول، وديمومة متواصلة فيما ينتج في المجال. وفي الجانب الآخر، فهي تكسب الباحث مهارات حياتية متعددة قد أتناولها في مقال مستقل.

في هذا المقال سأحاول نقل أبرز الخرافات التي نالت الدرجة العلمية، والتصقت بها، وإنْ صحَّ معظمها فالأمر لا يتعلق بنفي ما سيرد بقدر التقليل من التعميم فيه، فحاملوها أصحاب قدرات، وهذه القدرات تتباين فيما بين البشر. وقد صبغت تلك الخرافات بطابعي، وصغتها بفكري حتى تمتزج بالروح، وتمتاز بالتفاعل، فتقرأها وتشعر بما فيها؛ خير من قراءتها دون أحساس. فقد تكون أيها القارئ في هذه المرحلة التعليمة، أو تسعى للدخول فيها. فأحاول أن أوضح لك ما يعتري الدكتوراه من أقاويل وأقدم لك تجربتي بشيء من التفاؤل وحسن الظن.

أول الخرافات أنَّهم عباقرة خارقون. يجدر الإشارة هنا إلى التفريق بين مفهوم العبقري والذكي حتى تتضح لك هذا الخرافة. فالعبقرية تشير إلى شدة الذكاء، والقدرة على الابتكار والإبداع، أو إيراد عمل فيه كمال وإبداع وخَلْق دون سابق. بينما الذكاء يشير في أبسط معانيه إلى سرعة الفهم. فعلم النفس يميل إلى تعريفه على أنَّه القدرة على التحليل والتركيب والاختيار والتمييز نحو المواقف المختلفة. نعم! لقد ارتبطت أسماء العديد من العباقرة بهذه الدرجة العملية. وقد تكون صادقاً في القول بأنَّ معظم حامليها أذكياء، لكن في حقيقة الأمر فإن ذكاءهم ممزوج باجتهاد وصبر للوصول للنهايات، فمن سماتهم أنَّهم يستخرجون من الأفكار السابقة أفكاراً جديدة، ويصرون على تنفيذها. فمن الواضح أن تتضمن هذه المرحلة شيء من الذكاء في بداياتها، كذلك بعض جوانبها؛ ولكن سرعان ما ينصب جلًّ التركيز على الاجتهاد لتحقيق تلك البدايات الذكية المتمثلة في تحديد الإضافات العلمية، والمساهمات التي يقدمها حاملها للمجتمع في المجال.

الخرفة الثانية تتعلق بأنَّ حاملها يعلم كل شيء، ويفهم في كل مجال. والواقع بأنَّها مرحلة دراسة تتضمن مهارات حياتية كثيرة تساعده في التعامل مع الكثير من القضايا، وتمنح صاحبها فرصة أكثر حين تناول تلك القضايا بشكل ممنهج. وتتباين جودة المؤسسات الأكاديمية في تزويد طلابها بأكبر كم من تلك المهارات النوعية التي تمايز بين خريجي تلك المؤسسات. لكن لا يعني بأنَّها تمنح حاملها صفة العالم الموسوعي الذي يعلم في كل مجال وإلا لما كان لنقطة التخصص قيمة والتي تعد ميزة يتميز بها منسوبي تلك الدرجة العلمية.

الخرافة الثالثة بأنَّ الأفكار الإبداعية والمميزة والعظيمة، والتي تصنع التغيير متعلقة بالدكتوراه. من غير المنطقي ربط الأفكار العظيمة، وابتكار الأفكار الخلاقة التي ينتجها الناس بالشهادات الأكاديمية. فالشهادة الأكاديمية تمنح الباحث القدرة على صقل المهارات البحثية، وتحويله إلى شخص منتج فكرياً بما يضيفه من معرفة للمجال. وبالتالي قد يصبح حاملها مُخًطِطاً جيداً، ومنفذاً صبوراً، ومجتهداً ذكياً. وبالإضافة إلى ذلك، وأرى أنَّها جوهر المهارات، أنْ يكون الباحث محاوراً هادئاً، وليس مجادلاً عنيداً. فمعرفة السياقات والآراء المتوافقة والمتعارضة والمؤثرات عليها يجعله يتقبل ما يدار من فكر دون تشنج. فالأفكار الإبداعية مصدرها إنساني منبعث من الحاجة والتأمل وربط الأفكار بعضها ببعض وتحويل السياقات للأفكار من مجال لآخر. ومن الصعب ربطها بدرجة علمية محددة، فقد ينتج الأفكار الإبداعية أطفال، ولكن قدرة أصحاب هذه الدرجة العلمية على تحويل تلك الأفكار لمشاريع بحثية ملموسة ربما رسم ذلك المفهوم.

الخرافة الرابعة أنَّ أطروحة الدكتوراه هي أجود الأعمال الأكاديمية. الدكتوراه نتاج اجتهاد ذكي لسنوات تعلّم طويلة في حياة منتجها. فمن الخطأ أن تعتبر دستور أكاديمي في حياة الباحث العملية. نـعم! قد تتضمن الأطروحة إضافات علمية فريدة واكتشافات مميزة تكون مرجعاً مميزاً لكن تبقى لبنة واحدة من لبنات العلم التراكمي. فتجربة الباحث تنمو بالنشر العملي والممارسة وتطوير الثغرات التي قد حدثت في تلك الأطروحة، والتعامل معها لاحقاً في النشر العلمي. وقد سمعت مراراً ممن قضوا ما يزيد عن 20 سنة في المجال الأكاديمي بأنَّ ما قدموه في أطروحة الدكتوراه يعد من أقل الإنتاج البحثي جودة فيما قدموه في حياتهم البحثية. وهذا مؤشر للتطور البحثي والمهاراتي التي تصقل بالإنتاج والخبرة في المجال عبر الزمن. ولكنها تبقى جهد بذله منتجها بأقصى إمكانياته في ذات الوقت.

الخرافة الخامسة أنًّ الدكتوراه يجب أنْ تقدم ما لم يقدمه أحد من قبل. تعتبر هذه المقولة شائعة في أوساط الأكاديميين فضلاً عن عامة الناس. وقد يسمعها طالب الدكتوراه في أول لقاء علمي يقابل فيه لجنة الإشراف الأكاديمي، أو التقديم بمقترح البحث للحصول على قبول لدراستها. وجميل أنَّ الأمر اكتفى بما قبل القيام بها. فالدكتوراه لن تعيد عجلة الحياة، وإعادة اكتشاف الجاذبية الأرضية، أو حتى تقديم نظرية فلسفية جديدة تقدم مقترح للكون والحياة والموت. إنَّما هي اكتشافات بسيطة يغلب عليها الفردية بتغير بسيط فيما قدمه السابقون من مساهمات في حقل العالم المعاش. فتخدم المجال الدقيق في حال تميزها، وتفتح أفاقاً أخرى لمن يأتي بعده من مهتمين. فالاختراع من لا شيء أمر يندر وجوده في هذه الدرجة العلمية، ولكن هذه الإضافات المتواكبة والمتتالية في نقطة اهتمام محددة قد تفتح أفاقاً مستقبلية في حقل العلم وتقود لاكتشافات عظيمة. وبهذا فتكامل البناء بين الباحثين عبر الأزمنة يخلق التحولات العلمية العظيمة. فحينما يدرك الباحث هذا يزداد طموحه وشغفه البحثي، ومساهمته العلمية.

الخرافة السادسة أنَّ الحاصل على الدكتوراه يجب أنْ يتولى أعلى المناصب التي لا تتعلق بالجانب الأكاديمي والبحثي. إنَّها ضرورية للحصول على مهنة أكاديمية في المجال الأكاديمي، وتمنح نسبة من الاستقرار لحاملها في ذلك الوسط لارتباط مهمتها بالمجال ذاته، ولأن حاملها سيقود غيره من الأكاديميين الجدد الذين يسهمون في إضافات علمية في المجال حتى يتحقق الإنجاز التكاملي بتلك الجهود. ولكن لا يعني أنَّها الوحيدة التي تؤهله للوصول للمراكز المرموقة. فالتجارب العملية التي تصقل المواهب والخبرات والدورات التدريبية والتطور المهني المستمر كلها تسهم في التأهيل. ويزداد الحسن حسناً إنْ صاحب تلك الدرجة العلمية الخبرة العملية، والتدريب المستمر للمهارات، قبل وأثناء وبعد الحصول عليها. وهنا أنصح بالعمل والتدريب في داخل المؤسسات الأكاديمية والتطوع في إدارة النقاشات والحوارات، والتعاون مع المجلات العلمية التخصصية في مجال تحكيم البحوث ونحوها مما يضفي على الباحث خبرات حقيقية تساعده في مهامه المستقبلية. لتثبت بأنَّه ليس طالب دكتوراه متلقي فحسب، وإنَّما صاحب رؤية، وهدف يسعى لتحقيقه، فيسخر قدراته، ويصقل مهاراتك لمنح ذاته ما يليق بها من مكانة علمية.

الخرافة السابعة أنًّ الدكتوراه كفيلة بتأمين حياة سعيدة لحاملها. لا تنس أنَّ لكل مجتهد نصيب في هذه الدنيا، والرزق ندرك -ولله الحمد- بأنَّه مكتوب في الأصل مع العمل والاجتهاد في الطلب الذي يكفل عمارة الأرض واستخلاف الإنسان فيها. لكن تعليق الحياة السعيدة والهنيئة والرغيدة وسعة الرزق بدرجة علمية قد لا يكون من الحكمة في شيء. قد يجني من حصل على الدكتوراه مئات الألاف منها كغيرها من الأعمال. وقد يصارع حاملها لتحمل نفقات نشر كتاب علمي قضى ليالٍ من عمره في تأليفه. لكن أود القول بأنَّ معظم الذين يكسبون المال بالدكتوراه عادة يحصلون على ذلك خارج الحقل الأكاديمي فالعمل على المشاريع الذاتية والصناعية والتجارية قد يوفر لهم فرصة في جني الأرباح نظير ما تعلموه من مهارات، ومعرفة تخصصية في مجالاتهم. ولذا فإنْ رغبت الحصول على وظيفة خارج الحقل الأكاديمي فما عليك إلا أنْ تسوق لمشروعك البحثي، ولمهاراتك التخصصية. وبالبحث عن كيفية ذلك ستجد العشرات من المقالات التي تفيدك في تسويق فكرك. وهذا لا يعني أنَّ الأكاديمي لا يجد الدخل المناسب في مجاله الذي يكفل له حياة تؤهله ليكون من الطبقة المتوسطة في معظم المجتمعات المتقدمة. فلا تعّول على المرحلة الأكاديمية من حيث المال كثيراً بقدر أنْ تراهن على ما تكسبه من مهارات ومعارف واستثمار في فكرك وقدراتك. وقد يدر عليك شيئاً مما تريد فكما أسلفاً سابقاً بأنَّ الباحث ذكي مجتهد. وبهاتين الصفتين قد يتحقق المراد بإذن الله.

ستتعود طيلة فترة دراسة الدكتوراه بأنْ تعيش بمكافأة محددة، وبدعم مقطوع، وقد تضطر أحياناً لتلقي قرض طلابي لاستكمال مشروعك البحثي في بعض الدول. ليس مبالغة أنْ أقول بأنَّ هاجس الفواتير، والضرائب، وحضور الفعاليات التخصصية، والرحلات العلمية، وإعالة الأسرة والقيام بمستلزماتهم سيكون في تلك المرحلة جزء من روتين فكرك اليومي الذي قد يصنع منك ذكاءً في التعامل مع المال إنْ تعلمت من الدكتوراه الإدارة وحسن التصرف، أو تعلمت تسليم المهام لمن هو أفضل منك في إدارتها. وإلا ستبقى تحمل الهم اليومي والعناء المتكرر.

الخرافة الثامنة أنَّ باحث الدكتوراه متفرغ. تمتاز المرحلة بالتخطيط الذاتي للباحث، وإدارة مرحلته وفقاً لمشروعه البحثي في معظم أنظمة التعليم. وبالتالي فهي تتسم بالمرونة، لرغبتها في صناعة خبير في المستقبل. يكون قادراً على إدارة الوقت، واستثماره، والعمل على تحويله إلى منجزات حقيقة، وإضافة معرفة علمية في مجاله. فحرّي بها أنْ تمنحه فرصة التخطيط الذاتي الحر تحت إشراف الخبراء، وبمراقبة المهتمين بمتابعته طيلة فترته التعليمة. فعلى سبيل المثال في التعليم البريطاني يعتقد البعض بأنَّ غياب المقررات التدريسية والساعات الإجبارية والاختبارات التحصيلية ونحوها يجعل طالب الدكتوراه في رحلة نزهه ترفيهية طويلة، وأحياناً يعتقد الممولون بأنَّها مدفوعة التكاليف. واعتقد بأنَّ الأمر ربما يكون أسهل لمن لديه مقرر تدريسي يتعلمه في ساعات محددة بالأسبوع، ويحتوي على مواضيع منتقاة من خبراء ومختصين يعتقدون بأنَّها أفضل المواضيع التي تسهم في صقل موهبته ورفع جودة مهارته. بينما الواقع لطالب الدكتوراه في نظام التعليم البريطاني أنه ومشرفه يناقشان خطة النمو المعرفي، والتحصيلي وفقاً لرؤية تفريد التعليم، فيخلص في نهاية المطاف بقائمة مقررات ومحاضرات متخصصة رئيسية يجب أن يحضرها سواء في برامج الماجستير، وأحياناً قد ينزل به الحال ليعود لمقاعد البكالوريوس متعلماً ذاتياً لا متعلماً مجبراً لتحقيق درجة النجاح. فيعظم هدفه، وتسمو همته نحو التعلم. فالتعلم متاح لذلك الطالب في معظم الأحوال، وقد يوجه المشرف الأكاديمي بعض طلابه لحضور قائمة من المقررات التدريسية التي تخدم أهدافهم البحثية سواء التخصصية أو المساندة. وقد يتعدى الأمر لحضور بعضها خارج الجامعة في مؤسسات تعليمية أخرى، وتقديم محاضرة لزملاء القسم عنها في لقاءات دورية نهاية كل أسبوع. وقد استفدت من برنامج خارج الجامعة بتوصية من المشرف الدراسي لم أتوقع بأن ذلك البرنامج له علاقة أنذاك بمشروعي البحثي، ولكن أدرك الآن فائدته في حياتي العملية.

الخرافة التاسعة أنَّ حياة الدكتوراه مملة وكئيبة. قد لا يمر عليك يوم في الحرم الجامعي إلا وتسمع آهات باحث، أو تنهات متعب، أو ترمق لمحة مرهق، وأحيانا تجود الضمائر بما تحمله فتتوه بذلك، وهذا من مختلف الجنسيات. ولم تغض الجامعات الطرف عن تلك الخرافة المشوبة بشيء من الحقيقة، فقد هيأت عيادة للصحة النفسية، وأرقام للتواصل، ونشرات دورية، ولقاءات مباشرة مع الطلبة، لمساعدة الطلبة الذي يقدمون من ثقافات مختلفة للتأقلم من البيئات الجديدة والظروف الحياتية غير المعتادة. أورد لكم قصة رغم عدم رغبتي في سرد القصص في هذا المقال رغم كثرتها. في يوم من الأيام وفي مطعم الجامعة الصغير الذي قد لا تجد فيه مقعداً للجلوس في فترة منتصف النهار. فهذا وقت الراحة لتناول الغداء لمعظم العاملين بالجامعة سواء من طلاب أو أعضاء هيئة التدريس. وبالمناسبة فقد قررت منذ دخولي للجامعة بأنْ لا أتحدث عن مشروعي البحثي بشكل شخصي مع الآخرين ليس خوفاً على الفكرة البحثية فالأفكار البحثية لا تشكل هاجس لطلبة الدكتوراه، وإنما المعالجات البحثية هي التي تصنع التميز وتقدم الإضافة العلمية. وكذلك ألا أتحدث مع نفسي خارج المكان المخصص للكتابة قدر المستطاع. وقد رأيت فائدة هذا القرار في حياتي. التقيت بطالب دكتوراه في السنة الخامسة أظنه، يشكي الهم، ويندب الحظ، ويشتم القوانين، ويغضب من الطقس، ويلوم الازدحام، وحتى كأس القهوة وساندويتش التونة الذي أمامه نال نصيبه من الروح المتشائمة. كل هذا بسبب تلقي تغذية راجعة حول ما قدم من جهد بشري. فأحاول ملئ رئتي بالأكسيجين، وبدأت استنشق كل ما في المطعم من هواء، لأبقى هادئاً أمام هذه الروح الصاخبة والغاضبة. والحمد لله وجدت فكرة لاجتماع قد أقامته الجمعية السعودية احتفالاً باللغة العربية لأغير الموضوع، ثم في نهاية المطاف اقترحت عليه أنْ يتواصل مع أخصائية الصحة النفسية التي تأتي كل صباح ثلاثاء إلى الحرم الجامعي. فالإخصائية ماجي هي جارتي وقد عرفتها حين وجهت دعوة لجيراني في صيف 2018، وشرحت لي بعض التفاصيل عن برنامج الصحة النفسية لطلبة الدراسات العليا بالجامعة. وما زالت جارتي حتى تاريخ كتابتي هذا المقال.

عموماً! الحياة في الواقع ليست كئيبة أو مملة كما يظن البعض، فالدكتوراه مرحلة كغيرها من المراحل الحياتية التي ستمر على فترة من عمرك، وأنت صاحب القرار فيها. فإما أنْ تجعلها كرائحة المسك، فيفوح عطره الأخاذ، ليشمه الآخرون فيستحسنونه، أو كرائحة أخرى لا أود ذكرها، فالعلم نزهيه ورفيع ولا يأتي منه إلا الحسن. فيومك سواء أنت طالب دكتوراه أو مشرف دراسي، أو مدير لجامعة هو ذاته يومك، وأنت قائد الأفكار، وبالتالي تتحدد سعادتك وفقاً لأفكارك. فمن يشعر بالأذى من المهام التي يعمل عليها والتي ستختلف حدتها، ومدى قوتها وتأثيرها وفقاً للمسؤوليات المناطة قد يواجه الضغط باستمرار في مستقبله المهني. فهذه المرحلة رغم ما فيها تعد محدودة التأثير، ومحصورة المهام. فلماذا تحول سعادتك لكآبة. وأنْسُك لشقاء. والأمر بسهولة يكمن في التخطط لمشروعك البحثي. واعتقد بأنَّ من المهم أنْ تخطط لاستعادة نشاطك، وراحة بالك، والتخلص من التوتر اليومي الناتج عن العمل عموماً. فساعة الرياضة اليومية، ومداعبة أطفالك، وممارسة موهبتك الفطرية التي تحبها، والتأمل فيما تراه من حسن الكون، وكثير من السبل التي تسعد بها روحك قادرة على أنْ تذهب عنك الألم الذي يلم بك من العمل.

وقد جربت فكرة بسيطة تجعلني أتخلص من فكرة العمل المجهد لفكري، فأنا اعشق الكتابة ولذا اكتب يومياً بعد إنجاز ساعات عملي الأكاديمي لمدة لا تقل عن نصف ساعة في موضوع محبب لي (مذكرات- مقال، تأملات)، وبعيد عن الكتابة الأكاديمية، لأخرج بروح جميلة عما كتبته، وحققت هدفي بأن أترك موضوع البحث العلمي بمكتبي، وأضفت تجربة جديدة في مخيلتي. فالخلاصة لتبقى سعيداً حاول أنْ تكتشف الطفل الذي بداخلك، وتنمية ما يبقيك سعيداً فحسب.​

الخرافة العاشرة أنَّ باحث الدكتوراه مشغول طيلة وقته. فكثيراً ما تسمع الباحثين في هذه المرحلة بأنَّهم يواصلون الليل والنهار أمام شاشات الكمبيوتر، أو بالمعامل والمختبرات العلمية يتابعون مشاريعهم البحثية. وقد يزيد الحال سوءاً حين العمل في إجازة نهاية الأسبوع بالمكتب الجامعي، أو ادعاء عدم توفر الوقت الكافي للجلوس على مقعد الحلاق لتصفيف الشعر الممتلئ بالشيب والذي يعزيه البعض لما واجهه من أعمال يشيب لها الولدان في تلك المرحلة. وكأن الأمر، بعث ونشور. وأحياناً تتكون صداقة بين طالب الدكتوراه وبعض الحيوانات البرية التي تنشط في ساعة متأخرة من الليل هروباً من ضجيج البشر بالحرم الجامعي بحثاً عن فتات تسد به رمق جوعها. لا تتوقع بأنَّ هذا سيجعل مشرفك الدراسي يراك اينشتاين العصر، بل سيعتقد بأنك تعرض نفسك للمرض، والاكتئاب، وقلة التخطيط، والمخاطرة بالصحة النفسية، التي تؤدي في نهاية الأمر لارتكاب الأخطاء، وضعف المنتج البحثي. فالباحث الفطن يوازن بين صحته الجسدية والنفسية وبين أعماله الدنيوية. فالأمر لا يرقى إلى أكثر من تخصيص زمن يومي منتظم. واقترح بأنْ يكون مساوٍ لساعات معظم الأعمال الروتينية – ثمان ساعات يومية – ثم الاستمتاع ببقية ساعات اليوم. لا تنسى أنَّ الباحث متدرب يسعى لأن يكون في نهاية المرحلة مدرب مستقل، وبالتالي فإنَّ تحديد خطة للإنجاز هي خط السير الحقيقي لما ستقوم به، واطلب الاستشارة من المشرف الخبير ليقدم لك نصائحه حينما تحتاج. فليس الأمر محدد بالبقاء على مقعد المكتب الصغير الذي تحيط به الأوراق من كل جانب طيلة الوقت، أو الغرفة التي تفوح روائح القهوة من كل صوب، وتختفي قطع البسكوت والشوكولاتة بين دفتي المراجع العلمية المتناثرة في كل مكان. فهناك مهام أخرى في التجربة، كالسفر لحضور المؤتمرات والنقاشات العلمية وإبراز جهدك للمختصين وهذه مهمة أخرى سترى فيها المتعة، وكذلك تثبيت القدم في التخصص، وستعود ممتلئاً بالحيوية والنشاط لتستكمل مشروعك دون الضغط على حياتك اليومية. فالساعات الثماني كافية لتنتج لك عملاً مثمراً، وكفيلة بتدريبك على وظيفتك المستقبلية. فإجازة نهاية الأسبوع كافية لأن تعيد لك نشاطك للعمل، وإدخال السعادة على عائلتك وأصدقائك ومحبيك، فاستمتع بهم.

الخرافة الحادية عشر أنًّ النشر أثناء الدكتوراه ضروري للحصول عليها. يعتبر النشر العلمي هدف من أهداف الباحث الأكاديمي الذي ستعتمد مرحلة ما بعد الدكتوراه عليه بشكل كبير. ولكنه ليس الجوهر الرئيسي من الدكتوراه إلا إنْ كان برنامج الدكتوراه معتمد على النشر العلمي فهذا جانب أخر. كما أنًّه لا يعني أن تتردد في المبادرة بنشر النتائج الأولية التي تتوصل لها. فهذا المهمة تسهم في صقل مهاراتك في النشر العلمي، ووضع لمسة لما ستقدمه من إضافة علمية بسيطة في المجال. أدرك جيداً مدى الفرحة التي تنتابك حين تتلقى بريد إلكتروني يفيد بارتفاع نسبة قراء بحثك في ResearchGate. وسيكون لذلك وقع جيد في بعض الأحيان للمشرفين والمناقشين، ويعطي صورة حسنة في تفاعلك مع النشر العلمي، وربما يُطلب منك في المناقشة التحدث عن تجربتك في النشر العلمي لكسر الخوف المبدئي من رهبة المناقشة إنْ أشرت لذلك في مقدمة رسالتك العلمية. ومعرفة تجارب الطلبة الدوليين في النشر العلمي العالمي.

الخلاصة، ستتعلم الكثير من النشر العلمي، ابتداء بتحديد المجلات العلمية المتخصصة، وانتهاء بالحصول على آراء الخبراء في المجال وتعليقاتهم الثرية على ما ستقدمه، وسيضيف لسيرتك الذاتية رصيد إنتاجي قد يؤخذ بالاعتبار حين التقديم على وظيفة المستقبل، ولكنه ليس الضروري والمتطلب الأساسي للحصول عليها.

الخرافة الثانية عشر الدكتوراه أصعب مرحلة تعليمية في الحياة التعليمية. قد يكون هناك مبرر لهذه الخرافة من حيث طول الفترة التعليمية، والتحولات التي تعتري المشروع البحثي طيلة المرحلة، والغموض، وقلة التنظيم عند مقارنتها على الأقل بسابقتها مرحلة الماجستير التي تتسم بالتنظيم الدقيق، وقصر المدة التعليمية. لكنها لن تكون أكثر صعوبة من تجربة أول مفارقة للعائلة في صف الروضة أو الأول الابتدائي والذي يصاحبه الأنين والبكاء، والحزن لفراق حضن الأسرة العطوفة من جانب، والطلاسم الكتابية التي يراها ذلك الطفل الصغير ويطالب بمعرفتها من جانب أخر. فبالرغم إن الوضع أختلف هذه الأيام، ولكن كتبت لكم جزء مما أتذكره حولها ويلامس بعض تجاربكم أيها القراء في مرحلة الدراسات العليا. كذلك أعتقد بأنَّ الباحث في هذه المرحلة أكثر نضجاً في إدارة وقته، وتنظيم مهامه، والتخطيط الدقيق لتحقيق أهدافه. وهذه متطلبات رئيسية لباحث الدكتوراه حتى يحول الغموض إلى وضوح، وطول الفترة التعليمة لمنجزات متتالية حتى تكتمل المرحلة وتتوج بإدارة المهمة قبل الحصول على الشهادة. صحيح الانتقال من طالب متدرب في مرحلة البكالوريوس والماجستير إلى باحث مستقل وخبير في الدكتوراه قد يتسبب في ربكة في بداية الأمر. قد يصحبها نزعة في النفس نحو التكبر العلمي ولكن سرعان ما ينجلي ذلك القناع في أول مؤتمر علمي تخصصي، أو أول محاولة للنشر البحثي، فضلاً عن تقديم محاضرات تخصصية بالقسم الذي يضم أعضاء هيئة التدريس بكليتك حينما تنهال عليك الأسئلة الدقيقة من الأساتذة التي قد تكون موجهة لتعليمك، وفاحصة لردة فعلك، وتقييم تعاملك معها؛ أكثر من البحث عن إجابات لها. فالباحث لديه مئات الطرق للوصول لإجابات عما يتبادر إليه من تساؤلات علمية غير السؤال المباشر.

محمد عبدالله الأحمدي

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock