أخبار منوعةكتاب أكاديميا

كورونا وعادات المجتمع| بقلم:
أ.د لطيفة حسين الكندري

التغير سنة الحياة؛ تساهم العادات في تشكيل ثقافة المجتمع وتحديد ما يعتاد عليه الناس من أنماط الأكل والشرب والزواج والعلاج والاحتفالات والتجمعات وتحية الآخرين. تنمو الثقافة تلقائيا وفقا لتجارب المجتمع ووعي الأفراد ودرجة التفاعل مع التحديات وقدرة مؤسسات التنشئة الاجتماعية على الاستمرار في رعاية المصلحة العامة.
ولا شك أن فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 من الأحداث العالمية التي ستترك بصماتها على منظومتنا النفسية، والصحية، والثقافية، والأمنية، والقانونية، والتقنية، والتربوية عموما، والاقتصادية على وجه الخصوص. الأحداث الجسيمة التي نمر بها اليوم ذات اتجاهات غيرت ولازالت تغير من أنماط حياتنا فعليا فالزيارات تقلصت بل مُنعت، والمدارس توقفت، والولائم انقطعت، والمحلات التجارية في معظمها أُغلقت، ومر علينا شهر رمضان الكريم على نحو مختلف تماما حيث تعطلت المساجد، وتحسر الناس بمرارة على غياب صلاة التراويح والقيام وكيف تبدلت الأيام. هذا الوضع الجديد بطريقة أو أخرى سيوجه تدريجيا مدارك وسلوكيات ومشاعر الناس كأفراد ومؤسسات وسيصبح الفرد أكثر احترازا في شئونه واتصالاته ومعاملاته واضعا التدابير الصحية المستحدثة وما يتصل بها من الفحوصات اللازمة أساسا للتعامل. يقظة المجتمع لبنة أساسية لتبني معتقدات وعادات تحمي الصالح العام وتحفظ الفرد وتمنعه من تجاوز حد الاعتدال في تصرفاته وعلاقاته.
من الصعب الفصل بين التغير الاجتماعي والوعي الثقافي لا سيما في الأزمات الكبرى ومن هنا تلعب التربية الرشيدة دورا جوهريا في نقل المجتمع من طور إلى طور بأقل الخسائر. إن الآثار الاجتماعية، والتعليمية، والنفسية، والاقتصادية للوباء والحظر والحجر ستعمل على تغيير ثقافة المجتمع وسيكولوجية الجماهير بأسلوب أو بآخر ولا شك أن التخلص من السلبيات بحاجة إلى تكاتف الجهود وتقديم يد العون للناشئة لاجتياز المحنة واستثمار فوائدها القيمية.
تداعيات التباعد الاجتماعي
من المؤكد أن زيادة الحرص على الصحة العامة والخضوع للضوابط الاحترازية من أولويات العودة لاستئناف حياتنا اليومية استنادا إلى قواعد السلوك واللياقة وأنماط التصرف الآمن. ولهذا فإن المعايير الدولية المستجدة ستشق طريقها نحو سلوكياتنا وقوانيننا وستحدد طرائق الحياة حفاظا على سلامة الجميع واسباغ الحياة بالمزيد من القوة لمقاومة السلوكيات التي لا تراعي الضوابط الصحية.
هناك فئة من المجتمع قد تهمل أو تغالي في تطبيق تلك المعايير ولهذا فإن تكوين ثقافة متوازنة متلائمة مع الأوضاع الجديدة ضرورة تربوية لبناء مجتمع متوازن قادر على تمتين أواصر العلاقات الاجتماعية وحفظها من جهة، ومراعاة مستلزمات الحياة الصحية وردع كل ممارسة تعرض الصحة العامة للضرر. ولا شك أن الإعلام الموجه ومؤسسات التنشئة الاجتماعية عليها غرس القيم الحميدة عن طريق ترسيخ المهارات الاجتماعية النافعة والتحذير من الغلو والوسواس ونقل الأخبار المغلوطة التي من شأنها تلويث الثقافة العامة واضعاف الروح الوطنية.
لا شك أن التواصل مع الأصدقاء والأقرباء عبر قنوات التواصل من دعائم الصحة النفسية الكفيلة بتجاوز الأزمة، كما أن توثيق روابط الأسرة من الوسائل التي تقلص سلبيات سياسة التباعد الاجتماعي. تستطيع قنوات التواصل الإلكتروني تخفيف حدة التباعد الاجتماعي إذا نجحنا في منع الشائعات والمشاحنات والأفكار السلبية واللامنطقية والمعلومات الطبية غير الموثقة علميا. وهكذا تتعمق علاقاتنا الاجتماعية وحينئذ لا تنتشر الإشاعة ولا تذيع بين الناس ويشعر الجميع بالأمن والثقة وهما أساس التعاون والبناء والنماء والرخاء.
أبطال نفخر بهم
من الجانب العلمي كشفت أزمة كورونا عن حاجة البشر إلى رعاية المنظومة الطبية فهي الحصن الواقي لأمن وسلامة المجتمع، وأن العاملين في هذه القطاعات هم أبطال يستحقون الثناء والتقدير. لا بد من توثيق كفاح الأبطال ودعمهم ماديا ومعنويا فهم ركيزة أساسية لمواجهة الجائحة.
ومن الجانب الاجتماعي المؤسسي فإن العمل التطوعي المتناغم مع توجهات الدولة من الصفحات المضيئة التي نشاهد فصولها منذ أشهر عدة وفي كل يوم خلال هذه الأزمة. لقد تسابقت المؤسسات في خدمة المواطنين والمقيمين ولا زالت تبذل كل نفيس في هذا المسعى ونجحت في تخفيف حدة الجائحة التي اجتاحت العالم كله دون سابق انذار. ستعود سفينة المجتمع لتشق طريقها من جديد بعون الله تعالى لكن بطرائق جديدة ولا ريب أن أخذ الدروس والعبر من الأولويات لرفع كفاءة المجتمع الإنتاجية والحفاظ على مكاسبه.
وفي هذا السياق المتنامي نحث على دعم الجهات الصحية، والأمنية، والتطوعية التي بذلت الجهود المضنية لإضاءة الطريق وتوفير الأمن الصحي والغذائي والتنظيمي.
إن استيعاب الآثار الإيجابية والسلبية لجائحة كورونا خطوة أساسية لبناء ثقافة سليمة وعادات قويمة، وسلوكيات متوازنة. لن يتحقق ذلك إلا بتضافر الجهود وتحديد الأهداف والأخذ بيد الناشئة لبناء ثقافة أساسها الصحة للجميع في إطار نهج متطور يراعي المستجدات الحديثة ومتطلبات البقاء والنماء، ووفق مرتكزات فكرية تحافظ على المكاسب الوطنية وتعمل جاهدة على تقليص التحديات.

مواقف لن أنساها
ابني محمد وأسرته الكريمة من ضمن الذين شملتهم خطة الاجلاء حيث كانوا في أمريكا ولقد قامت الحكومة الكويتية بدور رائع لإحضارهم لأرض الوطن وتوفير المحجر الصحي اللائق لمدة أسبوعين، وقامت الحكومة بحمدالله بلم الشمل وتوفير سبل الراحة لهم على نحو مشرف رغم التحديات الصحية الخاصة. هذه الأيام من الصعب نسيانها كما أن قيام أبنائي بدورهم نحو خدمة وطننا الغالي كل في مجاله يجعلني أحمد الله تعالى الذي سخر لأبنائنا وبناتنا الطاقة والوقت والحماس لرفع راية الوطن باقتدار لاجتياز المحنة بأقل الأضرار. أظهرت الأحداث الكبيرة التي نمر بها قدرة فائقة على استيعاب طاقات المواطنين والمقيمين ومواكبة الأحداث وضبط الأمور في العديد من قطاعات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وهو الأمر الذي ينبغي استمراره ورفده بآليات كفيلة بتدفق العطاء وتحقيق الرخاء.
ومن جانب آخر كشفت هذه المحنة عن تراكمات قديمة وملفات متعثرة في التركيبة السكانية وفي ميادين كثيرة على جميع الجهات تدارسها بصراحة وتلافيها لمنع الاضرار المجتمعية.
لقد عشت في الكويت طوال فترة الغزو العراقي حتى أنعم الله على الكويت بالتحرير من العدوان الأثيم، واليوم نمر بأزمة أخرى وفي كل مرة يفيض الله تعالى علينا برحمته وبركاته وألطافه ودورنا هو الثقة بعطاء الله سبحانه والتضرع إليه والإفادة من دروس الجوائح حفاظا على المصالح والانتقال بالمنجزات بسلاسة عبر الزمن واخضاعها للتطوير والتحسين والمراجعة.
سوف تتناقل الأجيال المواقف المجتمعية المشرفة لتزيد الوعي الجمعي وتمده بإرادة البقاء والنماء. دروس الأمس تمهد لحاضر مجيد، ولعل فرص الاستبصار من محطات النماء لتغذية المهن اليدوية والمشاريع الصغيرة وتعديل التركيبة السكانية وتطوير فلسفة المنظومة التعليمية تقنيا، وربط احتياجات المجتمع بمناهج التعليم. الحفاظ على الضبط الاجتماعي ومنع التفكك العائلي من ضرورات وقاية الأسرة كما أن توحيد صفوف المواطنين والمقيمين وفقا للقوانين العادلة أساس قوة المجتمع واقتصاده.
ولأن الدعاء من دعائم النماء ومن روافد مواجهة البلاء نسأل الله العلي القدير أن يرحم كل ضحايا هذه الجائحة، وأن يمن سبحانه بالشفاء العاجل على جميع المرضى وأن يوفقنا لأداء رسالتنا المجتمعية على أكمل وجه.

بقلم|

أ.د لطيفة حسين الكندري
العميدة المساعدة للشؤون الطلابية والأكاديمية
في كلية التربية الأساسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock