كتاب أكاديميا

سلمى الحربي تكتب: إشكالية الترجمة وعوائقها في البحث العلمي التربوي


تُعد الترجمة الوعاء الثقافي الناقل للعلوم والمعارف والخبرات بين الحضارات المختلفة، وهي أحد أهم العوامل التي أثرت البحث العلمي وساهمت في التطوير التربوي وعزّزت المشاركة الإنسانية العالمية في كافة الميادين. والترجمة كما هو معلوم عبارة عن صناعة لغوية ذات عوامل ومهارات متعددة تتداخل وتتفاعل مع بعضها البعض لتشكل منظومة مُتكاملة ينتقل عن طريقها النص اللغوي من اللغة المصدر SL (Source Language) إلى اللغة الهدف TL (Target Language) جنباً إلى جنب مع فِكر الكاتب وأسلوبه ومعانيه المُتضمِّنة بين ثنايا النص، وهي بهذا المعنى العميق والإطار الشامل تحتاج إلى لغوي متخصص ليس فقط في لُغتي المصدر والهدف بل في المجال والتخصص الدقيق الذي يتم الترجمة إليه.


والمُطلِع على الساحة البحثية المحلية يلحظ أن من أصعب ما يواجه الإنتاج البحثي خاصة في الميادين التربوية هو ترجمة الكتب والدراسات والبحوث العلمية الأجنبية بلغاتها المختلفة بشكل سليم، وتفعيلها والاستفادة منها في بناء وتطوير البحث العلمي التربوي، حيث أن اهتمام المترجم ينصب على نقل المعرفة كمعلومات نصية مُتعاقبة وجمل سطحيه جوفاء مع إهمال واضح لنقل ما وراء المعرفة من فلسفة و فِكر ومنظورات تُستشف من النص وتؤثر بشكل كبير على مسار وفائدة المحتوى العلمي المُقدّم، وهذا النوع من الترجمة الحرفية أو السطحية إن صحّ التعبير تتسبّب بشكل أو بآخر بإيجاد ثغرة وعُزلة معرفية فلسفية يلمسُها القارئ لتلك النصوص المترجمة، والتي لا يمكن أن يُعوّل عليها كمصدر أصيل للمعرفة الإنسانية بل قد تتسبّب لاحقاً في بناء جسور هشّة بين الحضارات، والواقع المُعاصر يشهد على توافر هذا النوع الركيك من الترجمة الذي أضعف الفائدة العلمية والإثراء المعرفي المنتظر من المراجع الأجنبية سوآءا على مستوى التنظير والنقد أو على مستوى التجارب العلمية التطبيقية، والجدير بالذكر في هذا المقام أن النقد لا بد أن يكون مرحلة لاحقه للنقل؛ بمعنى أن يتم ترجمة الإرث الثقافي المقصود كما هو ثم تعقيبه بالنقد والتحليل إذا كانت هناك حاجة لذلك.


ولعلّ أهم الأسباب التي أدّت إلى إيجاد هذه الثغرة الخطيرة في البحوث العلمية التربوية هو خلو النصوص المترجمة من العمق المعرفي حيث يُسنِد الباحث أحياناً (إن لم يكن ضليعاً في اللغة الأجنبية) مهمة انتقاء وترجمة المراجع والدراسات الأجنبية المتعلقة بدراسته إلى مترجمين غير تربويين فتحدث إشكالية فهم الفِكر المطروح في اللغة المصدر ليتم ترجمة النصوص الأجنبية إلى كلمات وجمل ركيكة تفتقد الأسلوب التربوي الذي تتطلّبه البحوث التربوية بالضرورة؛ فالمترجم في هذه الحالة قد ينجح في المرحلة الأولى المتعلقة بتحليل نصوص اللغة المصدر (SL analysis) ولكنه يفشل في إعادة التفكير وإيصال المغزى التربوي وصياغة المعنى السليم في اللغة الهدف والذي تتطلّبه المرحلة الثانية (TL synthesis)، والأخطر من ذلك هو ما يلمسه التربويين المتخصصين في اللغات الأجنبية من “تزوير ثقافي مُستتر” للدراسات السابقة والمراجع الأجنبية التي يستخدمها ويستشهد بها قِلّة من الباحثين، حيث يعمد بعض المترجمين إلى تزويد الباحثين بدراسات سابقة أجنبية مُفبركة أو مُعدّله لتناسب متغيرات بحوثهم المختلفة، ولكي تتلاءم مع متطلباتهم النظرية البحثية غير عابئين بالإشكالات الثقافية والثغرة المعرفية التي يُخلفها مثل هذا النوع من “التلاعب”، وهذا الأمر بالرغم من ندرته إلا أنه واقع مشاهد لا يمكن إنكاره أو تجاهله.


ومن الحلول المُيسرة التي قد تحد من إشكاليات الترجمة وعوائقها في ميادين البحث العلمي المختلفة والتي آن الأوان أن تتبنّاها المؤسسات التعليمية المتخصصة كالجامعات والمراكز البحثية التابعة لها ما يلي:

  • إقامة مراكز علمية متخصصة لترجمة البحوث والدراسات الأجنبية تحت مظلة الجامعات وبإشراف مباشر من مراكزها البحثية، بحيث يحق للباحثين الاستفادة من خدماتها وِفق آليات وتسعيرات محدّدة.
  • تقنين مهنة الترجمة عن طريق منح تراخيص للمترجمين التربويين تُميزهم عن غيرهم من المترجمين.
  • تكليف لجان متخصصة وعلى درجة عالية من الكفاءة العلمية واللغوية بتحديد عناوين المراجع الهامه وأمهات الكتب الأجنبية في المجالات التربوية المختلفة التي لا غِنى للدارسين والباحثين عن الرجوع إليها والاستنارة بها ومن ثمّ إسناد عملية ترجمتها إلى مراكز الترجمة التربوية المعتمدة.
  • استصدار قوانين وأنظمة لتجريم التزوير الثقافي في جميع ما يتم الاستشهاد به من معلومات ودراسات أجنبية سابقة في البحوث التربوية.
    وأخيراً فإنّ الحولقة الثقافية والسِياق العلمي العالمي الذي نعيشه اليوم يستلزم تجويد الإنتاج البحثي سنداً وبناءاً وتخريجاً، ولن يتم الوصول لذلك التميز المنشود بدون ضبط وتقنين عملية الترجمة البحثية واستثمارها بالشكل السليم الفعال لسد الفجوة المعرفية بين عالمنا العربي والعالم المُتقدم.

    سلمى الحربي
    باحثة في المناهج وطرق التدريس

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock