كتاب أكاديميا

خالد محمد الأنصاري يكتب: غرس قيم المحافظة على البيئة في المجتمع

 

خلق الله تعالى الكون بنظام دقيق محكم ، وجعله مترابط ، فال تعالى : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )، وقال سبحانه : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) ، وقال تعالى : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) ، تبين الآيات الكريمة ان الله تعالى قد أوجد هذه البيئة بمقادير محددة وبصفات وخصائص معينة بحيث توفر للإنسان وباقي الكائنات الحية الأخرى التي تشاركه في الحياة على الأرض الطرق والسبل الملائمة لمعيشته ، فاذا اختل من الكون جزء اضطرب الجزء الآخر ، فالبيئة في الشريعة الإسلامية شاملة للكون كله بجميع مكوناته الحية وغير الحية ، فهي جملة الأشياء التي تحيط بالإنسان سواء كانت الأرض وما تحمله من كائنات أو السماء وما تشتمل عليه وما بين الأرض والسماء من مؤثرات وعوامل مختلفة ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية ووضعت قواعد وتشريعات ووسائل عظيمة لتضمن المحافظة على البيئة واستقرارها وسلامتها وجمالها ومن هذه القواعد :

أولى تلك القواعد والتشريعات ضبط النفس البشرية وتهذيب غرائزها ، لان فساد الانسان يأتي في مقدمة تلك المشكلات ، فتلوث البيئة وفسادها ناتج عن فعله ، فالانسان الذي ينشأ في بيئة سيئة فانه يحمل أفكارا وعادات وسلوكيات تجعله في صراع مع البيئة ، بل ان من آثار ارتكاب المعاصي تلوث البيئة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( خمس خصال ان ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن : لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها الا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ، ولم ينقصوا المكيال والميزان الا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة ، وجور السلطان ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم الا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله الا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم ، فيأخذ بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله الا جعل بأسهم بينهم ) كذلك جاءت نصوص شرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في المحافظة على النظافة سواء كانت نظافة البدن ويشمل نظافة الأسنان والفم واليدين والرجلين ، وقد جعل الطهارة مفتاح الصلاة أو نظافة الطعام والشراب وجعلهما بعيدين من مصادر التلوث قال صلى الله عليه وسلم : ( طهور اناء احدكم اذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) ، كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن التنفس في الماء أثناء الشرب ، كذلك أمر الإسلام بنظافة المساكن والشوارع والأماكن العامة ، والنهي عن تلوث الطرق وهي حق للناس عامة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( اماطة الأذى عن الطريق صدقة ) ، وأيضا جاءت الشريعه في الأمر بالمحافظة على أهم عنصر للحياة وهو الماء ، فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة يتوضأ فقال له : ( ما هذا السرف ؟؟ قال : أفي الوضوء سرف ؟ قال نعم ، وان كنت على نهر جار ) ، بل وجعله من الثروات المشتركة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( الناس شركاء في ثلاث : الماء والكلأ و النار ) ، و أيضا أمر الإسلام بالمحافظة على الهواء ، فلكل انسان له حرية التصرف في ملكه ولكن بشرط أن لا يفضي تصرفه الى أي ضرر ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) وهذا عام يشمل جميع مكونات البيئة ومنها الهواء ، كما جاءت نصوص كثيرة تحث على المحافظة على البيئة النباتية وأجر القائم عليها ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم يغرس غرسا الا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق له منه صدق ، وما أكل السبع فهو له صدقة ، وما أكلت الطير فهو له صدقة ) ، وقال أيضا :  ( ان قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ، فان استطاع لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ) ، وجاء في وصية أبي بكرالصديق رضي الله عنه لجنده : ( ولا تعرقوا نخلا ، ولا تحرقوا زرعا ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ) ، كذلك البيئة الحيوانية أمرنا بالمحافظة عليها ، قال صلى الله عليه وسلم : ( في كل كبد رطبة صدقة ) ، ونهى صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان فقال :  ( عذبت امرأة في هرة حبستها ، فلا هي أطعمتها وسقتها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) ،أما البيئة البحرية فقد مر معنا أن الماء عنصر مهم يجب المحافظة عليه ، كذلك القول في البحار و الأنهار والمحيطات ونحوها . أخي القارئ الكريم ان الحديث عن البيئة والمحافظة عليها كبير ولكن هذه إشارة الى أهمية الموضوع لا سيما أنه يتعلق بحياتنا على الأرض فالاخلال بعنصر واحد منها اخلال في التوازن البيئي ، كما قال تبارك وتعالى :        (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ) ، فاذا كان الانسان هو العنصر المهم في حل هذه المشكلة العظيمة ، فاننا ينبغي أن نغرس فيه السلوك والعادات الحميدة التي تكفل المحافظة على بيئتنا من الفساد والدمار ، وبهذه المناسبة أدعوا جميع العلماء والمفكرين لوضع مناهج في المؤسسات الآكاديمية والتدريبية تغرس قيم المحافظة على البيئة نظريا وعمليا ، و في الختام أحب أن أذكر بقول الله تعالى : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) .

أسأل الله تعالى باسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ أميرنا وولي عهده الأمين وأن يوفقهم لكل ما في خيرالبلاد والعباد وأن يحفظ بلدنا من كل مكروه وسائر بلاد المسلمين ، آمين .

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

كتبه : خالد محمد جاسم الأنصاري

                                                                          معهد التدريب المهني  

[email protected]

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock