كتاب أكاديميا

بين عبدالهادي العجمي ومنتقديه: وضع النقط على الحروف

بين عبدالهادي العجمي ومنتقديه: وضع النقط على الحروف
د. محمد الوهيب
حلقة مميزة قدمتها قناة القبس-الراي في شهر سبتمبر الفائت لبرنامج (أما بعد: ما وراء كرسي القبيلة)، استضافت الحلقة نخبة من الأكاديميين والناشطين السياسيين المميزين في تحليل عميق ورصين لموقع القبيلة اليوم في المشهد السياسي. أثارت أحد أطروحات هذه الحلقة، وتحديدا أطروحة الدكتور عبدالهادي العجمي، استهجان البعض فانطلقت بعض الكتابات في الصحف وبعض رسائل “الواتساب” مهاجمة لتلك الأطروحة، وللأسف دون تمحيص دقيق لفرضياتها، وليت الأمر توقف عند ذلك فحسب، بل تعداه ليشكك في مهنية ووطنية صاحب تلك الأطروحة ولم تكن المسافة طويلة لهؤلاء المشككين كي يقوموا بالتحريض عليه شخصيا. أكتب تلك السطور كمتخصص وأكاديمي يؤلمه بالفعل أن تتحول الآراء العلمية على اختلافها لساحة للنزال والثأر والتشكيك في الوطنية والتحريض الرخيص؛ وبسبب البعد عن الدقة وغياب مبدأ التعاطف مع النص في محاولة فهمه قبل نقده وأخذ موقف منه، سهل على البعض أن يرجمه وأن يقولبه في قوالب “سياسية” جامدة معلبة لا تجد مبررا أو أساسا لها في قول الأكاديمي المذكور وهو الشاب الكويتي الذي قد تخرج من أعرق جامعات الولايات المتحدة الأمريكية وحصل إنتاجه العلمي على جوائز محلية وعربية وعالمية رفعت من مكانة المؤسسة الأكاديمية التي ينتمي لها.
سأحاول فيما يلي من سطور أن أوضح بعض الأفكار التي أسيء فهمها. أنا شخصيا لي بعض اختلافاتي مع أطروحات الدكتور ولكنها في نهاية المطاف اختلافات الأكاديميين التي يسعدون بها، فهذه الاختلافات هي ما يشحذ عقل المفكر فيجتهد في تعميقها والدفاع عنها أو يكتشف ضعفها فيتخلى عنها. ما أقدمه هنا من توضيح هو قراءة متأنية لأطروحات الدكتور عبدالهادي العجمي، ولكن قبل الشروع بها أود أن أطلب من قارئي الكريم أن ينزع عنه معطفه الأبيض الذي يرتديه العالم في مختبره والذي يجعله يحلم بسهولة وصم الآراء المختلفة في العلوم الإنسانية بأنها علمية أو غير علمية. الحقيقة هي أننا في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبعض العلوم الطبيعية، وفي كل النظريات التي نقدمها يتم القيام حصرا ببعض الوظائف كجمع المعلومات من خلال مناهج وطرق مختلفة، ثم بناء سرديات أو نظريات تنتظم هذه المعلومات. بمعنى أكثر بساطة: هذه العلوم تقدم قصصا. أما ما يحكم عملية تقديم هذه “الحكايات” في العلوم المختلفة فهو 1. الدليل والبرهان 2. القابلية للتفسير 3. القابلية للتعديل. وهذا بالطبع لا ينتقص من “علمية” هذه العلوم، فهي العلوم التي نعيش بها ونفهم الواقع ومعطياته من خلالها.
أكاد أجزم بأن منتقدي هذه الأطروحة قد غاب عنهم “فرضيتها” الأساس، وهي الفرضية التي انتظمت كل آراء الدكتور عبدالهادي اللاحقة. هي فرضية تخص موضوعا يعتبره معظمنا من أكثر الموضوعات حساسية – وربما كان ذلك ما يفسر استنفار الكثير من الأقلام الغاضبة: موضوع الهوية. بدلا من عرض بانورامي “هيلوكوبتري” من الأعلى لتحديد هوية القبيلة وعلاقتها بالدولة تاريخيا- وهو التحليل التقليدي الذي تزدحم به كتبنا- يقوم الباحث بجهد تفكيكي، أكاد أقول أنه مبتكر، في تحديد الهوية. الهوية، وفقا لهذا التعريف، تحدد من خلال التصور الذي يعطيه “الآخر” لها، وذلك تأسيسا على فرضية أخرى أكثر أهمية وهي أنه لا يمكن الحديث عن هوية ذاتية أو اجتماعية دون النظر للسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو التجارب الواقعية التي تحددها والتي أنتجتها. أطروحة الدكتور العجمي إذن لا تتحدث عن تعريف “موضوعي” مزعوم لهوية القبيلة أو أهل الحاضرة بقدر حديثها عن تعريف “متموضع” situated يقدمه من يوجد في موقع محدد من العالم له سياقه وحيثياته وشروطه الخاصة. سأكتفي لهذا الحد بهذه الخلفية النظرية المختصرة جدا بسبب طبيعة هذا المقال لأشرع بإعادة تركيب الحجة الرئيسية لمداخلته في محاولة لإزالة هذا الغموض واللبس الذي وقع فيه بعض قرائه.
​يرجع الدكتور العجمي أزمة الهوية في الكويت للحظة سابقة على تأسيس الكويت الحديثة ككيان سياسي-قانوني واضح المعالم. التبعية “لابن صباح” هو ما كان يحدد الهوية السياسية لأهل البادية والقرى في مناطق عدة، وهي المناطق التي تشكل الامتداد والنفوذ العسكري والسياسي للحاكم. الإشكالية التي يقدمها لنا، وهو ما يشكل تشخيصه لأزمة الهوية في الكويت، تتلخص في أطروحة خاصة حول “تسمية” الكويت. وقوع الاختيار على هذا الجزء أو هذه القرية أو المدينة – وهي مصطلحات قدمها الدكتور العجمي بشكل تبادلي وكمترادفات- المسمى الكويت ليكون هو الاسم الرسمي للدولة الحديثة خلق بصورة لا واعية اقتناعا لدى البعض بأنهم هم السكان “الأصليون”، وبالنظر لقربهم من الحكومة المركزية الناشئة وحصولهم على الكثير من الامتيازات تم ترسيخ هذا الشعور (كل الحديث عن التثمين يقع ضمن هذا السياق). هذه الأطروحة لا تبدو في حد ذاتها مثيرة لهذا الكم من الغضب، فلو، على سبيل المثال، سميت كويت اليوم بالجهراء لشعر أهل الجهراء بهذا التميز والأصالة وبأنهم مواطنون من الدرجة الأولى وربما حصلوا على الكثير من الامتيازات بسبب هذه الصدفة التاريخية بشكل أكبر من أبناء “قرية” الكويت، وهي التي في نظرهم لا تتجاوز المجموعة الصغيرة من المناطق الساحلية.
الفكرة التي كان يدافع عنها الدكتور العجمي، إذن، هي تمظهر الهوية من خلال تقاطعاتها مع هويات أخرى متصارعة في نفس البقعة الجغرافية، فهذه الهوية أو تلك يمكن فهمها من خلال ظهورها للهويات الأخرى. تلك هي الصورة التي نظر من خلالها أهل الحاضرة لأهل البادية والعكس بالعكس، ولكل وجهة نظر ومفهوم سياقاته وتبريراته. قد نختلف مع هذه الأطروحة ولكن علينا قبل كل شيء أن نقف احتراما لكل محاولة جادة لسبر أغوار العلاقة بين المكونات الاجتماعية الكويتية، فهي في نهاية التحليل ما يعطي للحالة الكويتية غناها وثرائها.
يبقى أن نذكر بأن كلام الدكتور عبدالهادي العجمي قد جاء في سياق نقد فكرة كرسي القبيلة، والحديث عن هذا الموضوع لا يمكن فصله عن موقع القبيلة في المجتمع اليوم. والحقيقة أنه لا يمكننا أن نتحدث في هذا السياق عن إيماءات بأي نعرات عنصرية قبلية قد تفتت الوحدة الوطنية، فهذه النعرات أو العصبيات ستظل موجودة طالما احتفظ “الآخر” بها متذرعا بشتى ضروب الأفضليات والتي تقع في مقدمتها الأفضلية أو “الأسبقية” التاريخية أو “الأصالة” التي لا توجد إلا في ذهن العنصريين:
“يجب أن تكون القوى التي تدير المشهد عاقلة وواعية لتحقيق العدالة الاجتماعية التي تعالج المشاكل الأساسية، ولن تجد لا في القبائل ولا في السنة ولا في الشيعة ولا في الحضر ولا في أي مجموعة أي مطالبة بغير العدل. لكنك ستجد في منظومات المصالح تصورات وهمية لتبرير عمليات استنزاف الدولة لصالح جهات معينة ولتأكيد حالات الخوف الاجتماعي لتبرير واقع سيء. الوعي هو أحد الأسئلة الحقيقية لمجابهة هذه المنظومة الخاطئة.”
كانت تلك العبارات هي ما انتهت به مداخلة الدكتور عبدالهادي العجمي، وهي العبارات التي يستحيل أن ينطق بها من في قلبه ذرة من عنصرية. إن تلك المداخلة التي تؤكد على دور الوعي في مجابهة كل أشكال الطائفية والعنصرية وبناء جدران خفية مصطنعة بين أبناء الوطن الواحد، وهي “المنظومات الوهمية” التي لن تخدم أحدا إلا من له المصلحة في الإبقاء على الوضع القائم، يبدو أنها هي التي استنهضت منتقديه ولم يناموا ليلتهم قبل توجيه الحراب شطر عنقه. لم يكن هناك من إشارة أوضح للدور الأكبر الذي من الممكن أن يلعبه “العدل” في أي مجتمع، فهو الهدف الذي يجب أن تضعه “الدولة”- ككيان سياسي قانوني يتجاوز تلك المنظومات الفئوية الطائفية- نصب أعينها. ما أحوجنا اليوم لوعي جديد نستطيع من خلاله أن نفكك وننتقد تصوراتنا ومفاهيمنا الكثيرة التي عفا عليها الزمن والتي أزاحتنا لموقع خارج التاريخ. البداية تكمن في الوعي وفي شجاعتنا على طرح ما ارتضى الآخرون قبوله دون تمحيص وتساؤل… وما أحوجنا لمجال عام حر يحتمل رؤانا المختلفة دون تشكيك وتحريض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock