كتاب أكاديميا

أسماء السكاف تكتب: اصمتي يا أنا

 

التفتت ندى حولها فأحست بجميع من في المطعم ينظر لها بشفقة، بردة فعل سريعة نظرت إلى ثيابها التي اختارتها بعناية صباحا، عدَّلت من هندامها وأخرجت مرآتها الصغيرة من حقيبتها، ما إن نظرت إلى وجهها وعينيها في المرآة حتى تذكرت كلمة صديقتها التي تكررها على مسمعها: عيونك تفضحك، لا يمكنك أن تخبئي ما تودّين قوله، هكذا إذن، أخرجت نظارتها الشمسية وأخفت عينيها بها رغم أنها داخل المطعم المغلق لا وجود لأشعة الشمس هنا، لم تكن تريد لأحدٍ أن يقرأ الإحباط في عينيها الواسعتين.

خرجت بهدوء وهي تنظر للناس، لمَ هُم قادرون على إخفاء المشاعر فلا تظهر بأعينهم؟ هل قراءة العيون وإخفاء المشاعر وكبتها وكتمها يُعتبر فنّاً من الفنون؟ هل هو دراسة تُدرس؟ 

هل عيوننا تُظهر ما بداخلنا فعلا؟ أم أن المقربين منّا هم من يُدركون ذلك تماما ويقرأون ما نحاول إخفائَه!

خرجت من المطعم دون أن ينتبه لها أحد فلم يكن بها ما يُلفت النظر لدرجة أن يترك الناسُ طعامهم وينظروا لها ويُحلّلوانظراتها، بل لتزاحم المشاعر داخلها وتدافعها أحسَّت وكأن الجميع يرى ما بها.

كانت ندى تُجيد فن الكلام تماماً وتُتقنه إلى أن وقعت بحبِّ أبكمٍ، فحُبس الكلام بداخلها وخرج من عينيها، حتى صارت تظُّن أنها كُشفت للجميع.

كانت تُعبّر بالكلام مباشرة، ما يخطر ببالها تقوله فورا، كان الأمرُ أكثرَ راحةً من الآن، منذ أن عرفت شريكها الذي لا يجيد سوى الاستماع وبعض الايماءات والتعبيرات بوجهه، تخرج الكلمات من فمه بنظام التنقيط تماما كما يخرُّ صنبور الماء القديم نقطةً نقطة، تشعر أحيانا بأنه يبني جدارا عندما تتحدث وكأنه لا يرغب بسماعها، أفقدها حماسَها على الكلام، مع الأيام بدأ الاندفاع والتعبير الذي خُلقت به بالتلاشي حتى صارت ما صارت عليه الآن من شخصٍ صامت إلى حدٍّ ما، تكاد عينيها تنفجر بالكلام الذي يوَّد الخروج.

ذهبت لصديقتها، كانتا بطباعٍ مختلفة تماماً حتى أن الناظرَلهما سيقول لنفسه: لن تدومَ صداقةٌ تجمع المتناقضات بتلك الطريقة الواضحة بين شخصية كتومة غير تعبيرية إطلاقا وبين شخصية تعبيرية تُفصح عمَّا داخلها وكأنها شفافة، ولكنها مستمعة جيدة رغم صمتها، عيونها وتفاعلها مع كلام صديقتها يُترجم كمّ الحب الذي بينهما.

ربما (ولا أجزم) بأن هذا الاختلاف والتناقض هو أحد أسرار ديمومة الصداقة.

سألت ندى: ألا يُرهقك الصمت؟ ألا تشعرين برغبة في الحديث؟

أجابتها الصديقة: تربينا على أن الكلام من فضة والسكوت من ذهب، لكنني أظنها مقولة لا تصلح ولا تصح فلا يصح أن نلجم أفواهنا عند الرغبة الملحة في التعبير عن مكنوناتنا وبالمقابل لا يصح أن نُجبر ذواتنا على الكلام عند الرغبة الملحة بالهدوء والصمت، الأمر عائدٌ لطبيعة وشخصية الانسان ذاته.

باستغراب قالت ندى: تقصدين أن ليس كلُّ صمتٍ فضيلة؟ ولاكلُّ كلامٍ خطيئة؟

الصديقة: بالطبع لا فالكلام الموزون المتزن يُسافر الناس من بلد إلى بلد ليسمعوه، ندفع الأموال لقاء جلسةٍ مع أحدهم لنسمع كلامه ونتعلم لأنه كلامٌ خرج لهدف وبروية عن دراية ودراسة دون ثرثرة بلا هدف لمجرد الكلام دون خوضٍ فيما لا يفيد، لذلك عدي للعشرة قبل أي كلام يا ندى.

ندى: سأعد وسأفكر ولن أصمت سأتكلم ولكن مع من يستحق كلماتي، لن أُخاطب المحبِطين ولن أخاطب من لا أشعر بقيمتي معه، بعض الكلمات الرائعة تبهت وتختفي ألوانها عندما تخرج للشخص الغير مناسب أو لإنسانٍ يُحاول إيصال شعور سلبي لي بألا قيمة لما قلت وبحت وتفوهت.

 

 

أسماء السكاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock