كتاب أكاديميا

أسماء السكاف تكتب: أمي تغار مني


يُقال بأن تناقض واختلاف الشخصيات جيدٌ في العلاقات وإيجابي ولكن هذا لم ينطبق مطلقاً على علاقة قمر مع والدتها، فالأم شاعرية هادئة (بيتوتية) تكتفي بعلاقات وصداقات خفيفة تُعد على أصابع اليد الواحدة، وقمر عكسها تماما شخصية اجتماعية صاخبة مُنجزة واثقة جداً من قدراتها…

قالت لي قمر ونحن نسير ذات يومٍ ودون سابق إنذار أو تمهيد للموضوع: أمي تغار مني …
ضحِكتُ ضحكةً لا شعورية، فأطرقت رأسها خجلاً وأكملت بصوت خفيض أشبه بالتمتمة: أعرف أنها تحبني وبأنني وأُختَيّ أغلى ما تملك وبأنها تُضحي بروحها لأجلنا حالها حالُ أي أمٍ أخرى ولكنها تغار مني أقسم على ذلك.
اختفت ابتسامتي عندما شعرت بجديتها وسألت: ما الذي دفعك لقول هذا؟
فحكت لي ….
قمر بِكر أمها وصديقة والدها، وكونها الكبرى جعل منها أكثر جرأةً من أختيها وهذا ما قرَّبها من والدها أكثر كونه وجد فيها الشاب والولد الذي انتظره وكأنَّ الله عوضه عن الولد بفتاةٍ كما يُقال (أخت رجال) وما أعجب والدها فيها كان سبباً لمشاحنات ومناوشاتٍ مع أمها دائماً في طفولتها ومراهقتها وحتى شبابها فأمها ترفض الاستقلالية التي تمتلكها قمر….
أخبرتني بأنها لم تشعر يوماً بفخر والدتها بها بأي أمرٍ تقوم به ولم تشعر بفرحتها الحقيقية لا في تخرجٍ ولا في أي إنجازٍ آخر من إنجازات الحياة، قلت: قد يكون طبعاً من طباعها يا قمر فما كل الناس قادرين على التعبير عن مشاعرهم والبوح عمَّا في دواخلهم، ردَّت بسرعة توحي بأنها فكَّرت بهذا وحاولت التبرير لوالدتها بعقلها، قالت: كلا فأنا أرى الفرح بعينيها على أي أمرٍ تقومُ به أُختيّ الأصغر مني والفخر بكل ما تقومان به والتهليل لهما والثناء عليهما، إذاً هي شخصٌ تعبيري، وأكملت بصوتٍ مكسور يخترق القلب لصدق حزنه: وكأن الكبار أو الأكبر سناً لا يحتاجون إلى تشجيع وتحفيز وفخر أو بالأحرى كأن قمر لا تحتاج لتشجيع وحب، قلت لها مواسيةً: إذاً هي حاجة نفسية للتشجيع وليست غيرة كما قلتِ بدايةً…

  • تُحاول تبسيط كل ما أقوم به بابتساماتٍ لا أعرف تفسيرها ولكنها تخترق قلبي كخنجر، وتُنافسني بكل ما أفعل وكأننا في تحدي من الأفضل، تنتقدني كثيراً دون أن يرف لها جفن وكأن جُلَّ انتصارها عند إقراري بأنني فعلاً لست جيدة أو بإقراري بذنبٍ أنا فعلياً لا أشعر بأنه ذنبٌ أو خطأ، وما إن أقوم بأمرٍ ما حتى تأتي مثله رغم انتقادها لي عند فعله سواء اشتركت بنادي أو التحقتُ بدورةٍ ما أو أتقنتُ أمراً ما، لو حاولتُ إخبارها عن أي شيءٍ قمت به تُسكتني بطريقة لبقة وتبدأ بالحديث عن نفسها، أشعر بالتوتر في وجودها فأنا أعرف أنني سأتعرض للنصح والتوبيخ المُبطن على كل ما أقول وأفعل، أنا صدقاً لا أشعر بتدني ثقتي وحبي لنفسي إلا في حضرتها.

كدتُ ألطم فعلياً من مفاجأتي بما تقول وسألت: أتُخفين كل هذا بداخلك؟ أيُ حياةٍ مع هذه المشاعر والشعور تعيشينها؟ ألم تفكري بمحادثتها؟
أسندت رأسها بيدها اليمنى مُخفيةً عينيها اللتين بدأتا بإنزال القطرات الملحية الحارقة وقالت: ماذا أقول لها، أتُطلبُ المشاعر؟ أيُطلب الفخر من الأم ويُطلب الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة؟
ولكن لأكون منصفة ولكيلا تظنيها بلا مشاعر أبداً، هي ليست قاسية، أشعر بحنانها بعض الأحيان، عندما أمرض أو أتعب أشعر بحنان ودفء العالم كله يتدفق من عينيها، هي أمي، أمي ووالله لم أحاول إزعاجها يوماً بقصد، ربما فعلت دون قصد ولا ذنب لي باختلاف شخصيتي عنها ولا ذنب لي إن أعطاني الله أموراً لم تنلها هي في عمري كما تذكر لي دائماً كم أنا محظوظة….
لم أعرف مُطلقاً ما يجب عليَّ قوله لمواساتها أو للتخفيف عنها، لم أعرف أيجب علَّي موافقتها وتأكيد ما قالت أم إنكار ما قالت والتغاضي عن صدق عيونها وألمها أثناء حديثها، وببحثٍ خفيف واطلاعٍ غيرِ مُوسع عن آراء مختصي العلاقات والنفسيين وجدتُه أمراً مطروحاً وشائعاً وغيرُ مستغرب من استشاريي العلاقات الأسرية..
فالغيرة عبارة عن مشاعر بشرية فطرية وقد تطغى عند البعض حتى على مشاعر الأمومة إذا لم يوضع لها حداً من بداية ظهورها ولو استمرت المقارنة بين الأم وابنتها لاختفت متعة ولذة الأمومة بالعلاقة وفي هذه العلاقة قمر هي الخاسر الأكبر فأمها تعيش مشاعر الأمومة وتُفرغ كل عاطفة الدلال والاهتمام مع الأصغر سناً وكأنها حكمت بأن قمر قوية كبيرة مُكتفيةً بذاتها ليست بحاجة لأي مديحٍ إضافي أو تحفيز لئلا يُفسدها ولكيلا تعيش دور الأفضل والأكمل.
والأم هي المخطئ الأوحد في هذه العلاقة وهذه المشاعر فلا ذنب للأبناء بما مرَّ به أو عاناه الآباء ولا حق لأي أمٍ أن تتنازل عن دورها (الأمومي) بوضع نفسها نداً لأبنائها ومنافسةً لهم في الحياة مهما كانت الأسباب.
وما يجب حقاً هو ((أن يبقى الأبناء أطفالاً في عيون وقلوب الديهم لأنهم في هذه الحالة لن يُنقصوا من كم الحب والاهتمام المطلوب تجاههم وبالتالي سينشأ أطفالهم أسوياء نفسياً وبدنياً وعاطفياً))

أسماء السكاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock