كتاب أكاديميا

أبرار القطان تكتب: عزيزي فرانز كافكا

وصيتك التي كتبها في لحظة يأس تترجو فيها أن يتم حرق كل أعمالك الغير مكتملة لم يٌعمل بها، فقد كتبتها تحت تأثير فقدان الأمل أثناء نزاعك مع المرض، لذلك لم تؤخذ كلماتك في الوصية على محل الجد .

كما قلت يوما ” أن المعنى الحقيقي للحياة يتجلّى عندما تتوقّف ” ، تضاخمت شهرتك بعد أن توّقفت حياتك، فقد قام صديقك ماكس برود -بعد موتك- بنشر كل أعمالك التي لم ترغب بنشرها وتلك التي لم تكملها، وتمّت طباعتها رغم أنها متوقفة و غير مكتملة .

لقد طالت شهرتك -فيما بعد- الشرق والغرب، وترجمت أعمالك الى كثير من اللغات، يؤسفني أن أخبرك أن رسائلك الخاصة التي أرسلتها لميلينا قد سرّبت أيضا، ولم تعد هذه الرسائل خاصّة أبدا، بل يعبث فيها المغردون النُقال والمُترجمين ودور النشر على اختلاف ذممهم ..

 

أستميحك عذرا بأني قرات كتاباً يجمع كل رسائلك التي أرسلتها إلى ملينا، إن جانبك الوجداني يشبهني كثيراً، وجانبك العملي واتجاهك للكتابة يشبه تطلعاتي.

أنا مثلُك مُترجمة، التمست الكثير من شكواك وكتاباتك، وأملك من الحديث الكثير لأشاركه معك، لماذا ولدت في زمن لا أطالك فيه؟  غيرت وظيفتي لكي أستطيع مزاولة القراءة والكتابة تماما كما فعلت، مرعبة كانت تلك الصدف .

لقد قرأت أعمالك، وسافرت إلى براغ لأرى منزلك، وتناولت العشاء في مطعمك المفضل، وتسكعت بالشوارع التي وصفتها والتقطت صورا مع التماثيل التي تصوّر هيئتك، حمتُ حول كل شيء يمتُ لك بصِلة، مؤلم بأن كل هذا لا يصِلُك.

 

لقد انقضت الحرب منذ زمن يا كافكا، نحن أيضاً نعيشُ اليوم بسلام، كل تلك الحروب موطنها قلوبنا وليس مكانٌ آخر، ففعليّاً صرنا نستطيع ان نُحب بلا غربة، و نسافر آمنين على أوطاننا بلا خوف ، ونحمل هويّاتنا بلا رهبة، نمشى في الأرض بخطى سالمة ، ونلتقى بأحبتنا بصدور سليمة، نحن اليوم لا نفقد أفراد عائلاتنا في مجازر الإبادة ، بل نفقدهم بالانشغال والتسويف ، ولكن تصلنا كل الأخبار ولا تختفي أثارهم عنّا أبداً.

نحن اليوم مترفون يا كافكا ، نرسل الرسائل ونستلم ردودها في اللحظة ذاتها، لا يرهقنا الانتظار ولا يؤرقنا رهاب التجاهل، نجسّ نبض الخطوط ونعلم إن كنا مُتجاهَلون من الدقيقة الأولى.

نحن اليوم بخير يا كافكا، ومرضى السل يتلقون أفضل سبل العلاج، فقد استحدث الطب الحديث أبر المغذي،  ولم يعد الناس يموتون من عدم القدرة على التغذية ،  نادِرا ما تنتهي القصص وتموت العلاقات بوفاة المرض، الفقد اليوم يا كافكا إما فقد الأمانة وحضرة الخيانة، أو فقد القناعة وحضرة الجحود.

 

يؤسفني أن أخبرك أننا نحن لم ننجُ كُليّا – إلى الآن- من جنون العظمة المجتمعية التي عانيت منها، ومازالت قصص الغرام لا تكتمل بسببها ، تقف الكثير من القصص على رفات العنصرية، والقبلية والتحيّز في المذهب.  

لكن لا عليك ، فبراغ تبدو رائعة جدا اليوم،  لقد ابتلعت العلمانية كل مظاهر التفرقة ضد أي ديانه بما فيها اليهودية، يمشي فيها الناس آمنين على أنفسهم، لا يسأل أحد عن معتقداتهم ، لقد شيّدت ألواحٌ بأسماء اليهود الذين أبيدوا في المجازر والمعسكرات في مقبرة خاصة بهم تيمّنا وأشادة بجهودهم.

 حتى أنت يا كافكا ، لم ينسَ أحدٌ أمرك، فنصبك التذكارية تتباهى بنفسها في أنحاء متعددة من المدينة. وسط البلدة القديمة يقف تمثال مُبتكرٌ يصوّر هيئتك وأنت متكئ على نفسك، تحملها على كتفك وكأنه يقتبس مقولتك التي قلت فيها  “ارتكز على كتفك، واتكئ على نفسك كما لو كنت أكثر الأشياءِ ثباتا” .

كما يدور رأسك حول نفسه من قلب براغ بتمثال دايناميكيّ يتحرّك ليوجه ناظره على كل انحاء المدينة، لقد هزّت كلماتك العاصمة ، عندما قلت ” إننا نجد أنفسنا مُنتقدون من أشخاص لا نعرفهم طبقا لقوانين لا نعرفها” و ظلّت صورتك شامخة رغم كل الانتقادات.

لترقد بسلام فألامك قد انجلت وأحلامك قد تحققت ، نحن نعيش الحياة التي كنت تتمناها بكل تلقائية ، ولا نكاد نشعر بالامتنان أبدا، لاننا نصارع آلاما مُغايرة، تبقى هذه الحياة مريعة، كلما تحسّنت خلقت آلاماً من نوع جديد.

 

 

 أبرار القطان 

@abrar_alq10 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock