كتاب أكاديميا

أبرار القطان تكتب: رحتلي إلى روسيا

عزيزي دوستويفسكي 

بينما ترقد في ضريحك مسلّماً مستسلما في مقبرة دير القديس الكساندر نيفسكي، زرت شقّتك الكائنة في بيترسبيرغ. لقد قام أحد الفنّانين برسم صورة لك على أحد الجدران المجاورة ساعدتني كثيرا في العثور على مكان مسكنك، يبدو المكان هادئ ودافئ جدّا، إطلالة النوافذ بدت لي أفضل مما وصفت، قبّعتك ومظلّتك مازالتا معلّقتان بجانب المخرج، جعلتاني أشعر بك تخطو إلى الداخل متجهاً إلى مكتبك الذي توقّعته أكبر حجماً، خطّ يدك بدا مُعقّداً، كم كنت سريعاً في الكتابة، كتاباتك بدت لي مسودّات لا أدري كيفَ قُرِأت أو تُرجِمَت، كل زاوية بدت مبهرة فوق ما توقّعت، أتساءل كيف أسعفت نفسك كلما داهمتك نوبات الصرع وأنت كامنٌ على أريكتك الخضراء؟ وكيف ومتى اعتدتها وتأقلمت معها؟ هل أعاقتك يوما عن الكتابة؟ أو أجزعتك شدتها يأسا يوما؟ 

تسكعت في الشوارع والأزقة التي كنت تسلكها يائسا وبائسا، يسعدني أن أخبرك أن سان بيترسبيرغ المُمطرة تبدو اليوم كأجمل ما يكون، والمنشآت الصحية فيها ترعى الفقير والغني، ومستشفى الفقراء لا يبدو سيّئا، لم أرَ في زيارتي هذه ولا متشرّدا واحداً، أو شحاذا أو سائِلا روسيّاً ، تدب الحياة في كل مكان ومشاغل الرزق موجودة ، من وظائف مكتبية إلى حرف يدوية، مستوى دخل الفرد ليس سيّئاً، والكنائس شامخة العمران، و رجال الدين صامتون، لايحلّون ولا يخيطون، لم يعد الفقراء يغبطون باب الكنيسة المرصع بالذهب والرخام، بل صاروا يرتادونها بكل سكينة، آمنين على مأكلهم ومشربهم ومأواهم، الاستيراد والتصدير  في أفضل حال، والقنوات التي ترمي نفسها في نهر نيفا كلها تشهد بازدهار التجارة التي تشق طريقها أسفل الجسور التي تفتح أذرعها ارتفاعاً لمرور بواخر الشحن يوميا في منتصف الليل، تضجّ ضفة نهر نيفا بالسياح الذين ينتظرون لحظة انفتاح الجسر منتصفاً مع منتصف الليل. 

السياحة رائعة هنا لا سيّما أن الشباب بدأو بإجادة الانجليزية، تأهُّبا للاستقطاب السيّاحي، بادرة جيدة تخبرني أن البلاد ستشهد انفتاحا قريبا.

ساحة القصر لم تعد خاوية، بل أصبحت محاطة بالباعة المتجولين وبالموسيقى، والمستعرضين بالأزياء التقليدية. شارع نيّيفسكي يبدو مبهراً، كل المقاهي تنطق بالسكينة وخط المشاة مزدحم باستمرار . 

أطفال البلدة ساحرين و ضحكاتهم تخطف الأفئدة،  إن البلدة تتنفس الضحكات، وتستنشق الابتسامات، صوت سان بيترسبيرغ طربٌ لا يشبه أيّ صوت سمعته من قبل، في أركانها صدى  لمقطوعة ترقص ما بين موسيقى العروض وقطرات المطر في أغلب الساحات، التسكع هنا بات آمن ليلا ونهاراً، كالمطر لا ينفكّ عن الهطول من ساعة الشروق إلى الغروب، لا تشتم في الأورقة والممرات رائحة الخوف، ولا تفوح منها إلا رائحة الطوب الرطب والأزهار الندية التي لم يتوقف انبعاث عبيرها طوال رحلتي.

 

تأشيرات الدخول أصبحت أسهل مروراً، ولم تعد صورة روسيا النمطية مرهونة بفوبيا الترهيب، ولا ببعصابات المافيا، أو جماعة الاشتراكيين أو مجموعة الفاشيين، لم يعد للحكم العسكري وطأة قاسية، وكل الأمور بدأت تأخذ مجراها الأمين.

أبرار القطان 

@abrar_alq10 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock